عندما يحفر الطالب اسمه حفرا على الطاولة

أي سجن هو هذا السجن الذي يبذل فيه الأستاذ المعاصر جهده بأن يلوّنه بكل سبل التعليم المُطعّم أكثر فأكثر بالترفيه.
الجمعة 2019/10/04
حميمية ساعات التعليم لا تنسى

المشهد: طلّاب يخرجون كالعاصفة من صفوفهم بعد رنين كل جرس يشير إلى انتهاء الحصة الدراسية. يتزاحمون كالنحل بطنينه. يتعاركون ممازحين بعضهم بعضا حتى يصلوا إلى صف آخر ليتلقوا فيه درسا آخر في مادة أخرى.

هناك في هذا الصف ينتظرهم المدرس أو المدرسة وقد أصابهما القلق من خسارة عشر دقائق من الحصة التي لا تتعدّى الخمسين دقيقة، قبل أن يستقر هؤلاء بمتاعهم المحمول على أول كرسي وقع نظرهم عليه ليعيدونا في رؤيتهم إلى لعبة “كرسي كراسي” الشهيرة.

وبعد انتهاء هذه الحصة يعودون إلى التدافع من جديد للوصول إلى صف آخر، وهكذا دواليك في تقطع الأوقات ومُضاعفة مرات رنين الجرس حتى انتهاء الدوام المدرسي.

لم يصل الفن التشكيلي المعاصر بعد إلى تقديم أعمال فنية بديعة تجسّد هذه اللحظات من “الفوضى الخلاّقة” بما تحمل من معاني دفينة في لوحات كما حدث في السابق، حيث كثرت الأعمال التي تصوّر الأستاذ في صف هادئ وفي حميمية ساعات التعليم التي لا يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها.

لا بأس في أن تدفع المدارس ذات الأقساط الخيالية أموالا إضافية على تغيير تلك الطاولات المدموغة بـ”الأنا” كل سنة، وكأنها لأول مرة استعدادا لأن تُدمغ من جديد

ما تلى وصفه في أول المقال، هو مشهد من المشاهد اليومية العربية المدرسية التي تعتمد مؤخرا، لحاقا بركب الدول الغربية، مبدأ لكل صف أستاذ عوضا عن مبدأ لكل مجموعة من الطلاب صف واحد يتلّقون فيه تعليمهم حتى نهاية السنة.

ويعتبر الباحثون والمُحدثون في مهنة التعليم، التي كغيرها من المرافق تتعرّض لتغيّرات هائلة على كل الأصعدة بسبب تغيّر المجتمعات والأولويات والمواد المدرسية، أن هذا النظام الجديد هو أفضل من القديم لأسباب عديدة أهمها أنها من ناحية تتيح للطلاب التحرّك عبر التنقّل ما بين الصفوف وإفراغ طاقاتهم التي كانت لساعات محبوسة في صف واحد.

كما يعتبر هؤلاء أن هذا النظام يجعل من ناحية أخرى لكل صف جوّا خاصا به مرتبطا بالمادة الدراسية المُقدّمة فيه. فمثلا في صف مادة الفرنسية يزيّن أستاذ المادة، الصف بصور الأدباء والشعراء الفرنسيين، بينما في صف الرياضيات يعرض أستاذها المُجسمات التي أنتجها الطلاب من وحي هذه المادة.

وفي ذلك وجهة نظر مهمة يحرص المدافعون على هذا النمط العصري على المرافعة عنه بسلسلة من الافتراضات منها أنه في تلك الصفوف الحديثة لم يعد طلاب الصف الرابع (الشعبة) “يملكون” المساحة. وينتج عن ذلك أنهم لن يفرّطوا في ممتلكات الصف ولن يعيثوا فيه “دمارا” لأنه، تماما، ليس ملكهم ليفعلوا ذلك وليس لهم الحق ولا الحرية في التصرّف فيه، إذ فور مغادرتهم سيُعرف حتما من منهم ألقى القمامة أو من منهم دمّر أو بعثر نظام الطاولات والكراسي قبل أو بعد أن ينتقل إلى صف آخر. سيكون المدرس في هذا الصف هو “الملك” الضارب بقوانينه والنافذ في أوامره.

غير أنه ثمة تناقض ما بين ما “يبشّر” به هذا النظام من انعتاق وإرساء أجواء تريد أن تكون مُشجّعة على الدراسة، وما بين ما يحدث فعلا. أولا في ذهن الطلاب بما يتعلّق بمعنى الحرية والانضباط، وثانيا، وربما الأخطر، في تركيبة شعورهم بالانتماء إلى مكان ما يملكونه هم وحدهم دون باقي طلاب المدرسة وخارج عن سلطة الأستاذ الكاملة. ولعل هذه المعادلة تبلغ أهميتها القصوى عندما يكون الطلاب عربا في دول عربية.

أليس بالأحرى أن يتعلّم الطلاب الحفاظ على نظافة صفهم لأنه “ملكهم” وأن يكون للحرية مذاقها الإنساني، أي مُنطلق من شعورهم بالمسؤولية تجاه المكان، مكانهم الذي يزيّنونه بأنفسهم ويقضون فيه معظم وقتهم ويصنعون فيه ذكرياتهم؟ أليس من الأفضل أن يختبروا قليلا من الصبر والانضباط في أقل من ساعات تفصل بينها فرص راحة؟ هل يجب رؤية هذا الانضباط، بل لنقل هذا “الولاء” للعلم على أنه نوع من العسكرة يصار فيها إلى سجن الطالب دون رحمة؟ أي سجن هو هذا السجن الذي يسعى فيه الأستاذ المعاصر جهده بأن يلوّنه بكل سبل التعليم المُطعّم أكثر فأكثر بالترفيه؟

الفصل ذاكرة وذكريات
الفصل ذاكرة وذكريات

هل بات من غير “العصري” أن نملك حس الصبر؟ ألا يحتاج الناشئ العربي إلى كل تلك السمات التي تجعل منه “مواطنا صالحا” في هيئة مُصغّرة عن الوطن الأوسع وهي “صف واحد لكل السنة”؟

هنا نصل إلى حس الانتماء الذي ربما لم يعد يعني الشيء الكثير للعالم الغربي منذ زمن طويل، فهو يعيش “مغادرا” منذ لحظة بلوغه ما يُسمى بـ”سن الرشد”، وهو اليوم أكثر مُغادرة تحت عنوان “مواطن العالم”.

لسنا بصدد مهاجمة هذا النمط، ولكن هل هذا ما تحتاجه اليوم الناشئة العربية؟ المزيد من الفوضى والشرذمة والترحال وهدر لحس الانتماء الذي بات مقرونا إما مع اللاجدوى أو مع الألم بالنسبة للعديد ممّن هجروا أوطانهم بسبب الحروب.

قليلا من الطمأنينة في صف يحمل بصماتهم ورائحتهم وأثر ضحكاتهم والكثير من التعابير الشبيهة بـ”نبيل كان هنا” محفورة بيد نبيل، أو يد رندة على مسامات الطاولات تأكيدا لذاتهم أولا وعلى قوة حضورهم. هذا ما نحتاجه.

لا بأس في أن تدفع المدارس ذات الأقساط الخيالية أموالا إضافية على تغيير تلك الطاولات المدموغة بـ”الأنا” كل سنة، وكأنها لأول مرة استعدادا لأن تُدمغ من جديد كل مرة وكأنها لأول مرة بيد تالية لمن “كان هنا”.

17