عندما يختنق صوت الشاعر يفقد التاريخ معناه

المتابع للشعر العراقي المكتوب إبان الغزو الأميركي في العام 2003 يلاحظ اكتساح القاموس الحربي لأغلب القصائد الشعرية، وخاصة ما يكتبه الجيل الشاب، الذي كان شاهدا على الدمار الذي تعرضت له البلاد والذّات العراقية خلال سنوات الحرب والحصار. لكن التجربة الشعرية العراقية الراهنة تظل بمثابة شهادات حيّة عن التجربة العراقية القاسية، التي يظل الرهان الشعري الحقيقي أمامها في تجاوز كل هذا الألم وميراث الدّم الذي يضعه العراقي حول عنقه.
الجمعة 2016/10/21
المحنة العراقية وتغريبة الكائن الشعري (لوحة للفنان عدنان يحيى)

نكتشف من قصائد الشاعر العراقي علي حبش في ديوانه الجديد الموسوم بـ”مدفع جوار الباب”، عمق الهوّة التي بلغها الإنسان العراقي في تطبيعه مع الحرب، حتى أننا لم نعد نميّز ونحن نتوغّل في النصوص بين قنبلة ومحبس أزهار، أو بين مدفع وشجرة، أو بين قصف جوّي وأغنية حبّ.

ويقول حاتم الصكر في تقديمه للديوان إنه “من خلال تفاصيل المشهد الدموي في الوطن ينتقي علي حبش تفاصيل تتداعى خارجه وتلاحق المهاجر في مغتربه. فكلما أغلق الباب تساقطت الشظايا وكلما مشى في شارع ازدحمت ذكريات الموتى والجرحى من ضحايا الحروب والعدوان”.

والكتاب الصّادر عن دار “المتوسّط” بإيطاليا، هو الثالث في مسيرة الشاعر بعد كتابيه “سنوات بلا سبب” الصادر في تونس سنة 2001 عن دار صامد، وكتاب “صواريخ العائلة السعيدة” الصادر في بيروت سنة 2006 عن الدار المصرية اللبنانية. والشاعر من مواليد بغداد سنة 1965 ويقيم بأميركا.

قصائد حبش بسيطة وهي قصائد لتفاصيل وشهادات شعرية عن سنوات الحصار والدمار الذي تعرض له البشر والشجر والحجر

الدم والدمار

من عنوان الكتاب “مدفع جوار الباب” يحذّرنا الشاعر، ويذكرنا بأننا ندخل منطقة تلغمها الحرب، إننا نلج من باب يحرسه مدفع، ومن النص الأول ينطلق القصف “صواريخ في أسفل القلب/ وشظيّة في رأسك/ والأيّام مقصلة تمشي”.

يبوّب الشاعر كتابه إلى أربعة أبواب وهي: مدفع جوار الباب، قصائد الحبّ والحرب، صيدليّة، وقصائد الحصار. كلّ باب يفضي إلى مجموعة من النصوص القصيرة، عدا الباب الثالث الذي يمثّل قصيدة مطوّلة عنوانها “صيدلية”، فكأنّ الشاعر أراد فتح صيدلية بين الخراب وأنقاض الحرب، لكنّها لم تنج من مفردات السلاح والدم والدمار.

ويقول علي حبش “صفارة الإنذار/ استعادت حنجرة الحرب/ جرحت أحلامي في السرير/ الصاروخ يسقط قرب حياتي/ تستقبل أصابعي الحدث/ بإشعال سيجارة سومر/ وإطفاء جهاز التجهيز/ ثم تفتح الذّاكرة ألبوم الصور”.

وتبدو قصائد علي حبش واضحة وبسيطة، وهي كما يكتب الناقد حاتم الصّكر “قصائد لتفاصيل يوميّة”، وهي شهادات شعرية عن سنوات الحصار والفرار والدمار التي تعرض لها البشر والشجر والحجر في العراق.

ونتناسل في قنبلة، ونلد أخرى، ونسحلُ أبناءنا على جوازات السفر، نتناسل بعيدا عن غرفة النّوم ونبصق على يوم زواجنا الأوّل ولا نلتفت للدموع، وعبر شاشة التلفزيون تقتحمنا بغداد بالجسور، الحديديّ سقطت أشلاؤه في نهر دجلة واختفى لاجئا في الخليج، وأنا لاجئ في الحافلات والصحف. ويقول حبش “حين عدت للمنزل/ شاهدت مدفعا/ جوار الباب/ وحين فتحت البابَ/ أيقظتني الزّوجةُ بقاذفة/ وامتلأ السّرير بالشظايا”.

يقفز الشاعر علي حبش بين التفاصيل بتشنج، فلا يستوي معه أي بناء شعري ثابت، وتبدو قصيدته بمثابة عالم مهشم من الصور والمعاني القلقة التي تتجاور فيها المتضادات: القفص الصدري للمدينة يبدأ بالظهور، الظلام يمرن البصر، ينشّط الفكر، عالم من دون تعديل. وهكذا يترك علي حبش الأشياء في شعره دون تعديل، وكأنّ الواقع السوريالي الذي يشهده العراق يبلغ مستوى من الشعرية.

شهادات على سنوات الدم في العراق

وحرص الشاعر على تأريخ نصوصه التي امتدّت من 1998 في العراق إلى 2015 في أميركا، وهنا يمكننا التّساؤل، لماذا لم ينشر الشاعر نصوصه القديمة في أحد كتابيه الأوّلين ولا سيما أنّ الكثير من النصوص سبق تاريخ كتابتها تاريخ إصدار الكتابين؟، لكن الواضح أنّ الشاعر كان يشتغل على مشروع هذا الكتاب منذ نصوصه الأولى حتّى اكتملت بمجموعة من النصوص التي كُتبت كلّها سنة 2015 بمدينة ديموين بأميركا، حيث يقيم الشاعر الآن، وكأنّ قدر هذا الكتاب أن تتوزع نصوصه بين الوطن والمنفى، وبالتالي يكون شهادة حية على المحنة العراقية وتغريبة الكائن الشعري داخل الوطن وخارجه “مثل نملة/ اختفت من حياتي/ وعبرت الحدود/ اختفى العراق في الحقائب/ أيضا/ واتسعت الحدود”.

ضياع وطن

الوطن الذي كان يتسكّع فيه الشاعر بأنهاره وواحاته وشوارعه ومدنه، يتحوّل إلى نملة تختفي وتعبر الحدود، إنه فعل الحزن والنّدم واليأس في الذّات الشاعرة التي أنهكتها الحرب والتشرّد بين الوطن والمنفى.

ومما جاء في تقديم الديوان “تحتشد الأبواب والأسواق والأمكنة والوجوه لتؤلف هذه اللوحة الفريدة التي ترسمها كلمات القصائد، حتى حين ينالها التعب وعدوى التشظية، فتصبح أبياتا منفردة أو مقاطع قصيرة، ولا سيما في الجزء الأخير من العمل، لكنها تظل في سياق واحد ليس لأنها قصائد نثر ذات أبنية حرة الإيقاع والتوزيع البيتي المتقن، بل خارجة من رحم ذلك الباب المجاور للمدفع والذي ينغلق في الوطن والمنفى معا ولا تظل منه إلا القصائد. وشهادات شعرية على خراب مزّق الوطن والقلوب والذاكرة”.صدّر الشاعر كتابه بمقطع لهنري ميلر “عندما يختنق صوت الشاعر يفقد التاريخ معناه” وكذلك وصلنا صوت علي حبش في “مدفع جوار الباب” مختنقا غاصا بالدمع، ساخرا من التاريخ ومن زيف معناه.

ويقول علي حبش “أسلاك الكهرباء/ تخترق صورتي الفوتوغرافية/ أنا ميّت على الجدار/ منذ سنين/ ماذا تريد هذي الحياة؟”.

14