عندما يخدع هواة يلهون على المواقع الاجتماعية الصحافة العالمية المتمرسة

السبت 2014/07/19
وسائل الإعلام الاجتماعية أحدث ساحة قتال “ملغمة” في الشرق الأوسط

أصبحت وسائل الإعلام الاجتماعية أحدث ساحة قتال “ملغمة” في الشرق الأوسط ولكن حذار من الدعاية والتضليل، إذ أن الصور القادمة من هناك تؤكد أن هذا المكان من العالم يخضع لكل أشكال البروباغندا التي سقطت فيها أعتى الصحف والوكالات العالمية.

يعتمد الكثيرون على وسائل الإعلام في استقاء الأخبار والإطلاع على ما يجري في العالم، غير أن وسائل التواصل الاجتماعي أحدثت ثورة حقيقية في الحقل الإعلامي وفرضت نفسها منافسا جديا لوسائل الإعلام التقليدية، خصوصا أن الأمر لا يتطلب أكثر من جهاز كمبيوتر محمول ووصلة إنترنت وكاميرا لكن يمكن للصور على مواقع التواصل أن تكون مضلّلة. تلك حقيقة يواجهها أيّ صحفي يبحث عن أخبار دقيقة في العالم. وأخطاء وسائل الإعلام في هذا السياق، لا تعدّ ولا تحصى.

وهذا الأسبوع، وجّه المغردون انتقادات شديدة اللهجة إلى مذيعة قناة “إيه بي سي نيوز″ الأميركية دايان سوير، إثر “الخطأ” الذي ارتكبته، عندما استعانت بصورة من تويتر لفلسطينيين وسط أنقاض منازل دمّرتها إسرائيل، مشيرة إلى أنهم مدنيّون إسرائيليون، ذهبوا ضحيّة قصف حماس.

سواء كانت فبركة متعمّدة أو “خطأ” فقد أثارت موجة غضب وسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، مما أجبر “إيه بي سي” ومذيعتها على الاعتذار.

وفي سياق تلك السخرية من القناة الأميركيّة، انتشر هاشتاغ بعنوان TweetLikeABC (غرّد مثل إيه بي سي).

حاكى المغرّدون عبر الهاشتاغ مبدأ تبديل الحقائق وتزويرها. فاستدعى المغردون مخلوقات فضائية، معتبرين أنّ تلك المخلوقات تهاجم إسرائيل.

وغرّد آخرون واضعين صورا لانفجارات قنابل نووية أحدثتها حماس في إسرائيل!

في المقابل وتحت شعار “على العالم أن يعرف الحقيقة” حول الصور المزوّرة على تويتر، قرّرت “بي بي سي” أن تخوض “حرب معلومات”، حفاظا على “حياديتها وموضوعيّتها”.

هكذا، بثّت “هيئة الإذاعة البريطانيّة” عبر قناتها “بي بي سي تراندنغ” على يوتيوب، فيديو (2:27 د) تشير فيه إلى أنّ بعض الصور المتداولة عبر هاشتاغ “غزة تحت القصف” على موقع تويتر، قديمة أو تعود إلى أعمال عنف في بلد آخر. كأنّها تخبرنا أنّ الحديث عن مجزرة إسرائيليّة في القطاع، كما يخبرنا الناشطون في نقل أخبار الحرب على تويتر، أمر مبالغ فيه، لا بل مبنيّ على صور كاذبة ومزوّرة وقديمة.

لم يعد المراسلون بحاجة إلى أن يكونوا في غرفة الأخبار أو في موقع الحدث فالشبكات الاجتماعية أضافت بعدا جديدا لجهد جمع الأخبار

وفي هذا الصدد أكد كريس هاملتون، رئيس تحرير وسائل الإعلام الاجتماعية في هيئة الإذاعة البريطانية، حاجة المؤسسات الإعلامية إلى استخدام مرافق عكس البحث عن الصور – التي تظهر إذا تم مسبقا نشر الصور على الإنترنت – لتحديد مكان صنع القطعة من الصور. لكن ماذا اكتشفت “بي بي سي”؟

تتبعّت الهيئة أحد الهاشتاغات الأكثر انتشارا على تويتر، GazaUnderAttack» (غزة تحت القصف)… اختارت من فيض الصور، أن تدقّق في أربع يفترض أنها التقطت في غزّة.

تبيّن بعد تحليل “بي بي سي” لتلك الصور، أنّ واحدة منها تعود إلى حرب العام 2008 /2009 على غزة. صورة أخرى تبيّن أنّها التقطت في مدينة حلب السورية في 25 يونيو الماضي.

كما نشرت صورة أخرى من وكالة “أسوشييتد برس″ التقطت في 16 سبتمبر العام 2007، في بغداد، وأخرى من الوكالة الفرنسيّة في 26 يونيو 2014، في حلب أيضا. انتهت “بي بي سي” إلى نتيجة، هي أن تويتر ضلل المستخدمين والصحفيين.

لكنّ المفارقة، أنّ آلاف الصور الواردة من غزة خلال الأسبوع الماضي، عبر وكالات الأنباء أو غيرها من مصادر المعلومات الموثّقة، التي توثق المجازر الإسرائيلية في غزة، لم تلفت انتباه “بي بي سي”.

“بي بي سي هذه نفسها، وقعت في خطأ نشر صور غير معروفة المصدر في السابق، كما حصل حين نشرت صورة من حرب العراق العام 2003، على أنّها صورة من مجزرة الحولة في سوريا العام 2012.

لقد أصبحت وسائل الإعلام الاجتماعية أحدث ساحة قتال “ملغمة” في الشرق الأوسط ولكن حذار من الدعاية والتضليل، إذ أن الصور القادمة من هناك تؤكد أنه من غير الممكن للأميركي مثل غيره العيش في هذا المكان من العالم الذي يخضع لكل أشكال البروباغندا السلاح ذي الحدين.

في تركيا مثلا استطاعت الشبكات الاجتماعية أن تكسر احتكار حزب الإسلاميين الحاكم بقيادة رجب طيب أردوغان لوسائل الإعلام وكسرت الخطاب الواحد الوحيد وتجرأت على انتقاد الديكتاتور وأظهرت أسوأ ما فيه في مناسبتين مهمتين أولاهما احتجاجات ساحة تقسيم والثانية فضيحة الفساد التي تورط فيها أردوغان وأعضاء حزبه، مما جعل أردوغان يصنفها عدوه الأول ويعد باجتثاثها بدعوى أنها تهدد “المصالح القومية” لبلاده.

ورغم أنها معركة “خاسرة”، لأن لا أحد يمكنه اليوم أن يحجب الحقيقة، بل يمنحها حافزا أقوى للانتشار حين يحاول صدها، فإن جيران تركيا في إيران خاصة لديهم مخاوف مماثلة وقد استهدفوا وسائل التواصل الاجتماعي أيام الثورة الخضراء عام 2009، وما زالوا يراقبونها حتى الآن رغم أنهم منعوا استخدامها في مرحلة أولى.
الشبكات الاجتماعية أضافت بعدا جديدا لجهد جمع الأخبار

حين انطلقت شرارة “الثورة الخضراء” في إيران، اكتشفت المعارضة أهمية مواقع التواصل الاجتماعي كوسيلة لتحفيز الشارع وإيصال المعلومات إلى الصحفيين في الخارج الذين فرضت عليهم السلطات الإيرانية مضايقات وهو ما انتبه إليه النظام جيّدا، فسارع إلى الاستيلاء على تلك المواقع.

وفي الوقت ذاته يقول الناشطون، إن عدد المواقع المؤيدة للنظام في ازدياد مهول، لأن استخدامها يعتبر “تضليلا للصحافة العالمية”.

ويوضح خبير الإنترنت الإيراني، علي نيكويي الذي يعيش في هولندا “في فبراير 2013 أطلق خبراء الإنترنت من المعسكر المؤيد للنظام مدونات وصفحات على فيسبوك لصحفيين يعيشون بالخارج، ويعملون لقنوات إذاعية تلفزيونية باللغة الفارسية”.

ويشرح ناشط إيراني على صفحات الإنترنت معروف باسم “وحيد أولاين”، ما حدث بالقول “يقوم مؤيدو النظام بإطلاق مواقع على فيسبوك ومدونات تبدو للوهلة الأولى لشخصيات معارضة، لكنهم يمررون عبرها بروباغندا (دعاية سياسية) مؤيدة للنظام”.

يمكن أن نؤكد أن لوسائل الإعلام الاجتماعي نقاط قوة تتمثل بشكل خاص في سرعة نقل المعلومة ووصولها إلى عدد كبير من الجمهور الذي لا يملك الوقت لقراءة الصحف أو مشاهدة التلفزيون.

ولم يعد المراسلون والمحررون بحاجة إلى أن يكونوا في غرفة الأخبار يتطلعون إلى ما تبثه وكالات الأنباء أو في موقع الحدث، الذي أصبح الاقتراب منه ممنوعا بأمر السلطات، لأن الشبكات الاجتماعية أضافت بعدا جديدا لجهد جمع الأخبار.

في هذا السياق يمكن أن نذكر كمثال الأحداث الأخيرة في العراق التي غابت فيها التغطية الميدانية لوسائل الإعلام العالمية بل والمحلية أيضا ووكالات الأنباء، واعتمدت على ما يتم تناقله في وسائل التواصل الاجتماعي في مرحلة أولى ثم على التحليل وتبني تداعيات الخبر بدلا من الخبر نفسه في مرحلة ثانية، مما كشف الإخفاق الصحفي التقليدي في متابعة الحدث العراقي.

تفطنت السلطات العراقية إلى الأمر، فحجبت المواقع الاجتماعية. قال رئيس النقابة الوطنية للصحفيين العراقيين عدنان حسين حينها “الإعلام العراقي لم يكن في مستوى المسؤولية وانتهج نفس الأسلوب الذي انتهجه من سبقه”.

وقد توصلت دراسة عراقية صدرت مؤخرا إلى أن فيسبوك احتل الترتيب الأول في تفضيل استخدام الصحفيين له في متابعة الأخبار.

وبينت الدراسة أن من أهم أسباب استخدام الصحفيين لهذه المواقع في الأحداث الأخيرة في العراق هو تميّزها بالفورية والسرعة في نقل الأخبار والأحداث لحظة بلحظة.

الغريب أن الدراسة أوضحت أن المنزل هو المكان المفضل لدى الصحفيين في استخدامهم مواقع التواصل الاجتماعي.

لوسائل التواصل نقاط ضعف تمثلت أساسا في غياب المهنية وعدم الالتزام بالضوابط، مما يلقي بظلال الشك على مصداقيتها

لوسائل التواصل الاجتماعي أيضا نقاط ضعف تمثلت أساسا في غياب المهنية وعدم الالتزام بالضوابط الصحفية، مما يلقي بظلال من الشك على مصداقيتها، وهناك أمثلة كثيرة عن أخبار جرى تداولها على تويتر أو فيسبوك وانتشرت بسرعة البرق في أنحاء العالم ليثبت بعد ذلك عدم صحتها، مثل أخبار عن وفاة بعض المشاهير أو استقالات بعض السياسيين، أو تداول مشاهد فيديو وصور مفبركة.

ونصبت المواقع الاجتماعية فخاخا لوسائل الإعلام الغربية، التي تقع كثيرا ضحية للبروباغندا الآتية من الشرق الأوسط التي تعتمد خاصة على مزيج من الجنس والدين والحرب.

وكشفت الكذبات الواحدة تلو الأخرى فالكل يتذكر قصة المدوِّنة السورية السحاقية أمينة التي نقلت عنها كبريات الصحف العالمية أخبار سوريا بداية الحرب. كانت تكتب بكل جرأة ووضوح وبمسحة من الطرافة عن حياتها الجنسية والعمل المقاوم للمعارضة السورية وعن القرآن والتاريخ السوري. في يونيو سنة 2011 اعتقِلت أمينة. آنذاك كتبت صحيفة الغارديان البريطانية

حول الخبر وكأنها كانت حاضرة وقت اعتقالها. فحسب الصحيفة، أوقف مسلحون أمينة في شارع بدمشق وجروها إلى سيارة، وأرفِق التقرير بصورة للفتاة. على إثر ذلك، طالبت منظمات حقوق إنسان على موقع فيسبوك بإطلاق سراح أمينة عراف. كما أطلقت وزارة الخارجية الأميركية تحقيقاً في الحادثة ليتبين أن أمينة لا تعيش إلا في بنات خيال توم ماكماستر، وهو مواطن أميركي يقيم في اسكتلندا، وقضى سنوات على الإنترنت منتحلا شخصية أمينة عراف. أما الصورة التي نشرتها صحيفة الغارديان وقالت إنها لأمينة، فقد كانت صورة لفتاة كرواتية تقيم في لندن سرقها ماكماستر من حسابها على فيسبوك.

أكذوبة أخرى ظهرت على المواقع الاجتماعية هي ما سمي بـ”جهاد النكاح” التي انطلقت من تونس. انتشرت القصة كالنار في الهشيم في وسائل إعلام مثل مجلة “تايم” أو موقع “هافينغتون بوست” أو وكالة فرانس برس للأنباء، حتى صحيفة “بيلد” الألمانية انساقت إلى هذه الأخبار الغريبة.

بعد ذلك، انطلق الصحفيون إلى تونس للبحث عن ضحايا هذا الجهاد، إلا أنهم لم يجدوا أياً منهن.

لقد خدعت وسائل التواصل الاجتماعي كبريات الصحف العالمية المتمرسة كثيرا، رغم ذلك لم يرد الإعلام التقليدي الفعل لأن المسؤولية تقع عليه في المقام الأول، لكنه تفطن إلى قيمة هذه الوسائل ويحاول جاهدا استعابها لتكون وسيلة للوصول إلى قطاع كبير من الجمهور وذلك من خلال فتح حسابات لها على فيسبوك وتويتر، وتشجيع المواطنين العاديين ليكونوا مصدرا إضافيا للمعلومات.

نجح الإعلام التقليدي بذلك نسبيا في جعل وسائل التواصل الاجتماعي متمما له عوض أن تكون منافسا أو بديلا عنه.

18