عندما يشيد محمد شحرور عمارة كتابه على أساس خاطئ

الأربعاء 2015/04/29
الباحث السوري اجتهد في أكثر مِن قضية

صدر للباحث السوري محمد شحرور عدد من الكتب، وكان الأكثر إثارة وانتقادا من بينها كتابه الأول، على ما نظن: “الكتاب والقرآن قراءة معاصرة” (1990)، والاختلاف مع المؤلف في تمييز “الكتاب” عن القرآن أو العكس، لا يلغي أنه كان صاحب رأي أثار جدلا وتفاعلا ثقافيا، ذلك لما صدر من ردود معه وضده، فإذا قلنا أن “الكتاب” نفسه القرآن ونفسه الفرقان لألغينا كتاب شحرور من الأساس، ونعلم أن العربية تمتاز بالترادف وهو زينتها.

صدر لمحمد شحرور كتاب “السُّنَّة الرَّسولية والسُّنَّة النَّبوية”، على أن هناك فارقا بين السُّنَّتين، على ضوء الفرق اللَغوي والاصطلاحي بين النَّبي والرَّسول، ففي “الفروق اللّغوية” بين المفردات لأبي الهلال العسكري نجد الآتي “إن النَّبي إلّا يكون صاحب معجزة… والنُّبوة يغلب عليها الإضافة إلى النَّبي، فيقال نبوة النَّبي لأنه يستحق منها الصِّفة التي هي على طريقة الفاعل، والرِّسالة تُضاف إلى الله لأنه المرسل لها”.

فعدد من الأنبياء جمعوا بين النُّبوة والرّسالة، ورسالة الإسلام: القرآن والكتاب والفرقان، ورسائل سابقة عُرفت بأسمائها وبالصُّحف، والسُّنَّة: أقوال النَّبي الرَّسول وأفعاله، لأن النبي والرَّسول واحد، فكيف تصبح سنتان؟ أما الرِّسالة فهي الكتاب السَّماوي.

كان ذلك مجرّد تساؤل، لا تخطئة ولا تصويب، فهذا موضوع آخر، إنما كلمتي هذه بشأن العناية بدقة المعلومة التاريخية، وهنا وجدت أن ذكر تواريخ الوفيات وحصر أزمنة الحوادث، سواء كان ذلك في مقال أو كتاب، وفي الدراسات والتاريخية مهمة جدا، بل أجدها ضرورة، تجاوزا لبناء الفكرة على خطأ.

لقد بنى الباحث الفارق بين “السُّنَّة الرَّسولية والسُّنَّة النَّبوية” على العلاقة المباشرة بين الخليفة أبي جعفر المنصور (ت. 158 هـ) والإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت. 204 هـ)، ولستُ مدافعا عن الشافعي، الذي اعتبره المؤلف مؤسسا لعِلم السُّنَّة وواضع فكرة نسخ الكتاب بالسُّنَّة، لكن المقابلة بينهما جعلتني أتردد في قبول الرأي لأن الأساس كان خطأ، ناهيك عن قوله بانتهازية الشَّافعي مع الخليفة وتملقه له كي يمرّر ما يريد، ولو ورد ذلك في سطر أو صفحة لقلنا مجرد سهو، وهذا ما يتعرض له أي باحث، لكنه تكرر في أكثر من صفحة، وأتى الكلام بلا مصدر.

يقول الباحث عن الشَّافعي الإمام والمنصور الخليفة “وأعلن بعضهم تشيعه تقربا مِن السُّلطان الحاكم، مثالهم الإمام الشَّافعي الهاشمي القرشي الذي أنشد المنصور: يا راكبا بالمحصَّبِ مِن منى/ واهتف بقاعد ضيقها والنَّاهض/ إن كان رفضا حبَّ آل محمدٍ/ فليشهد الثَّقلان أني رافضي” (ص 48). هنا لا أصحح للباحث متى قالها الشَّافعي وأمام مَن فهذا أمر معروف في بطون التواريخ والتراجم التي ترجمت لحياة الشَّافعي.

خطأ مهندس المباني يُكلف كثيرا لأنه يُنبت عمارة في الأرض يصعب تصحيحها إذا أخطأ، لهذا يتصف بالدقة

كذلك نقرأ في الكتاب “وكما انفرد الشَّافعي في التَّفسير بإضافة كلمة ذِكر إلى قوله تعالى: إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ (النِّساء 11) إرضاء لأبي جعفر المنصور العباسي، انفرد في الفقه بأمر لا يقل خطورة عن سابقه، هو قدرة السُّنَّة على نسخ القرآن”(ص 62). لا نناقش المؤلف في وجهة نظره عن أن الشَّافعي هو مؤسس علم السُّنَّة وما عرف من عنوان نسخ القرآن بالسُّنَّة، فقلنا: رأي واجتهاد، لكننا نقف أمام التَّاريخ، فهل هناك ترجمة لسيرتي الشَّافعي والمنصور غير التي حوتها أمهات الكتب واتفقت بلا اختلاف بأن الإمام في سنة وفاة الخليفة كان عمره ثماني سنوات، فهو المولود عام (150 هـ) والمتوفى سنة (204 هـ)، فهل مِن المعقول أن يسعى ابن الثماني سنوات إلى الخليفة ويغريه بما يريد مِن تدبير؟

لا أخفي تقديري للباحث شحرور، فالرَّجل قد اجتهد في أكثر مِن قضية، حتى أنه في كتابه هذا يجعل للنزاع على الخلافة عنصرا ثالثا، واعتبر أساس ما حصل في السَّقيفة (11 هـ) تآمر قريش على الأنصار، وبذلك يلغي النِّزاع الشِّيعي السُّني، فهو يقول: الأمر كان للأنصار لا إلى قريش، وهذا اجتهاد أيضا لا يعاب عليه،.

التقيت بالباحث شحرور قبل سنوات وسألته: أنت مهندس في العمارة (مدني) ما أتى بك إلى البحث؟ أجابني: لولا العمارة ما كنتُ باحثا. ففهمتُ المعنى أن خطأ مهندس المباني يُكلف كثيرا لأنه يُنبت عمارة في الأرض يصعب تصحيحها إذا أخطأ، لهذا يتصف بالدقة. وفي التركيز على قضية التَّاريخ، أقول: الكتاب عِمارةٌ بحاجة إلى قياسات صحيحة، مع اعترافنا بجهد الباحث واجتهاده.

باحث من العراق

15