عندما يصبح الصحافي أسير مصدره

البقاء في دائرة نشر مجريات الأحداث دون متابعة ما سبق من أخبار يجعل الصحافيين أسرى لمصادرهم فتصبح الأخبار على هوى تلك المصادر وهو الطريق الأقرب إلى فرض أجندة على المشهد الإعلامي.
الخميس 2019/01/17
لا ينفع الصحافيين الإصرار على الاكتفاء بمجريات الأحداث

في السابع عشر من يونيو 1972 أُلقي القبض على خمسة أشخاص كانوا يضعون عددا من الميكروفونات في مقر الحزب الديمقراطي الأميركي. في التاسع من أغسطس 1974 غادر الرئيس الجمهوري ريتشارد نيكسون البيت الأبيض مفضلا الاستقالة على العزل. يومها ولدت فضيحة ووترغيت التي أطاحت فيها واشنطن بوست برئيس دولة.

ستة وعشرون شهرا والصحافة الأميركية تلاحق ما كان يبدو أنه عملية سطو على مبنى فظهر السطو تجسسا والتجسس مؤامرة حاكها أفراد من البيت الأبيض ووزارة العدل ووكالة المخابرات وكان أن وجد الأميركيون أنفسهم لأول مرة في تاريخهم، بعد استقالة نيكسون، في دولة لم يُنتخب رئيسها أبدا. لقد خلف الرئيسَ المستقيل نائبُه جيرالد فورد المعين بعد استقالة سبيرو أغنيو نائب الرئيس المنتخب عام 1973.

في يوليو 2017 خرج الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي في قناة الجزيرة قائلا إنه أنقذ البلاد من إنزال عسكري أميركي يوم واقعة السفارة الأميركية في تونس في سبتمبر 2012 فرد وزير الدفاع التونسي عبدالكريم الزبيدي ثم لحقه قائد أركان الجيش رشيد عمار ليكذباه وليقولا إنه هو الذي طلب منهما اتخاذ الإجراءات للإنزال وخاضت الصحافة التونسية في الأمر أياما ثمّ نسيت.

وتنسى الصحافة الكثير من الوقائع الخطيرة والخطرة التي بقيت غامضة مثل استقالة رشيد عمار وخلفه محمد الصالح الحامدي وأحداث أبريل 2012 في شارع بورقيبة وأحداث ديسمبر 2012 في ساحة محمد علي وواقعة النائب الغريب في البرلمان في أولى جلساته في ديسمبر 2014 وقضايا المليار الصيني وتسليم البغدادي المحمودي واختفاء ناجم الغرسلي أو إخفائه والأحكام القضائية التي داستها سهام بن سدرين والقائمة طويلة.

وبين محاولة للتجسس على حزب تقود إلى إسقاط رئيس دولة، ومحاولة إنزال قوات أجنبية في بلد مستقل لم تترتب عليها أدنى مساءلة يكمن الفرق. هو الفرق بين صحافة تجتهد في طلب الوقائع وأخرى لا ترى في الوقائع إلاّ أحداث ساعة أو يوم أو أسبوع ثم تندثر. وهو الفرق كذلك بين مرحلتين إحداهما كانت الصحافة تميل فيها إلى المتابعة وأخراهما أصبحت فيها الصحافة تتلقى وتنشر.

والأنكى من ذلك أنّ ما نُشر يُنسى ما لم تثره مصادره. إن تلك النظرة إلى الأخبار تبقيها في دائرة “ما جرى اليوم” مما يؤدي بالمسؤولين عن النشر إلى صرف البصر عن المعايير المعتمدة في تقدير الأخبار مثل معيار ما يُنبئ بالتغيير أو الصراع أو الوقع على الناس أو ما يساعدهم على تصريف شؤونهم أو على التأقلم مع محيطهم… ليبقى معيار واحد هو الجِدّة.

والإصرار على نشر الجديد دون متابعة ما سبقه ينزع عن الأخبار أبعادها الماضية وما تلك الأبعاد إلاّ أسباب ما جرى فيكون المتلقون كمن لم ير من جبل الجليد إلا ثلثه الظاهر والحال أن في الثلثين العائمين خبايا الأمور. ولا ينبغي للإخبار أن يصبح مثل اليوميات يدون فيها البعض محطات يومهم دون تمييز.

تساوت الأخبار اليوم على الشاشات أو كادت إذ غاب رمز الصفحات والأعمدة والتقديم والتأخير

ويؤدي إعمال معيار الجدة دون غيره إلى الإفراط في النشر، والإفراط في النشر يؤدي إلى الغث والسمين فيأخذ غثّ اليوم مكان سمين الأمس وهكذا حتى ينسى الناس ويضيع كثير مما يهمهم في زحمة الوقائع. وقد ساعدت سرعة استقاء الأخبار وسرعة نشرها على اختزال الأخبار تماشيا مع ما تتيحه الوسائل المتطورة اليوم فيصادفك أحيانا خبر في ثلاثين كلمة هو إلى العنوان أقرب.

إن البقاء في دائرة نشر مجريات الأحداث دون متابعة ما سبق من أخبار يجعل الصحافيين أسرى لمصادرهم فتصبح الأخبار على هوى تلك المصادر وهو الطريق الأقرب إلى فرض أجندة على المشهد الإعلامي كما ينسي الصحافيين تطلعات المتلقين الذين هم المعنيون الأوائل بما ينبغي أن ينشر.

وهو الطريق الأقرب كذلك إلى نشر مضامين معظمها أقوال سياسيين لا تعني الناس كثيرا. إن تعامل الصحافيين المكثف مع مصادر سياسية بالأساس ينشئ بينهم علاقة اختلاط غير مرغوب فيه تؤدي في نهاية المطاف إلى بروز السياسي الذي يشارك الصحافي في تصور برنامجه ومضامينه وتوجهاته.

ولذلك نرى أن معظم البرامج الإخبارية التلفزيونية التونسية تقوم على استضافة سياسيين يتجادلون في البلاتوه أو يتجاملون. ولذلك كذلك تكون البرامج الإخبارية متشابهة بل متطابقة يكرر بعضها البعض. وهو السبب أيضا في حضور المعلقين الذين يستعين بهم الصحافي في البلاتوه على التحدث مع أصدقائه الضيوف السياسيين.

ولا ينفع الصحافيين تعلقهم بمصادرهم ولا الإصرار على الاكتفاء بمجريات الأحداث التي تأتي عادة أقوالا أو نصوصا لأن خطر تحول المضامين الناتجة عنها إلى علاقات عامة خطر كبير. وما من شيء أسوأ مهنيا في مسار الصحافي من أن يتحول من منتج أخبار يخدم المتلقين إلى موظف علاقات عامة يخدم جهات أخرى بفعل “سياسة” مشغله التحريرية.

أدى التسارع في نشر مجريات الأحداث بالسماع إلى الكثرة وأدت الكثرة إلى التداخل مما جعل المشهد معقدا أشبه بأحجية الصّور الـمقطعة التي كلما زادت قطعها وصغرت استعصى تركيبها. فقبل ثلاثة عقود كانت الصحافة المكتوبة تساعد القارئ، بتقنيات الإخراج من تقديم وتأخير وتكبير وتصغير وصور وبياض وأعمدة، على فهم الأولويات في الأخبار بتثبيتها على الورق.

 وتساوت الأخبار اليوم على الشاشات أو كادت إذ غاب رمز الصفحات والأعمدة والتقديم والتأخير. ويهدد ذلك الوضع ملكة الصحافيين في تحديد الأولويات والقدرة على التمييز وعلى ترتيب الأخبار. وإذا كنا لا نلمس ذلك على شاشات الكمبيوترات والألواح والهواتف فإننا نسمعه في الإذاعات ونراه في التلفزيونات. وقد حدث أن علق على ذلك في الشبكات الاجتماعية أناس عاديون لا صلة مهنية لهم بالصحافة.

وليس مثل تلك الأخطاء وقفا على صحافتنا، فقد وقع العالم كاملا في ديسمبر 1989 ضحية ذلك بنشر ما قيل وقتها إنه مجزرة تميشوارا في رومانيا. ولم يكن صحافي واشنطن بوست، بوب ودورد، ليفلح في ووترغيت لو لا مصدره الذي سعى إليه وأغدق عليه من الإخبار. نجحت واشنطن بوست لأنها تابعت.

18
مقالات ذات صلة