عندما يصل داعش إلى أقصى أفريقيا، على العالم أن يرفع مؤشر القلق

متابعون يرون أن توسع جماعة بوكو حرام في شمال نيجيريا وفي الدول المجاورة هو دليل كافٍ على أن المجموعة يجب أن تساعد موزمبيق الآن قبل أن تواجه المنطقة الأوسع تهديدا مشابها.
الجمعة 2020/07/03
هل باتت أفريقيا البوابة الخلفية لتنظيم داعش المهزوم في الشرق

ما زال الجدل يتفاقم بشأن حقيقة تأثير وجود تنظيمات إسلامية متطرفة مرتبطة بتنظيم داعش في الساحل وغرب أفريقيا ثم في أفريقيا الوسطى، لكن أن يصل داعش بشكل واضح إلى جنوب القارة الغنية بالنفط، ذلك ما يرفع من درجات مؤشر القلق الدولي.

لندن – وجود داعش في أفريقيا حقيقة، فالساحات الملتهبة بنيران التنظيمات الإرهابية سواء منها التي رفعت راية الولاء لداعش أو للقاعدة، حقيقة يلمسها سكان عدة بلدان ولا تقتصر على عدسات مراسلي القنوات الفضائية.

فعلى مدار سنوات كانت بعض الدول حاضنة لعدة تنظيمات مثل جماعة بوكو حرام في نيجيريا وأنصار الدين في مالي وشباب المجاهدين في الصومال، أو تنظيم القاعدة في شمال أفريقيا وكذلك في مالي والنيجر وموريتانيا، لكن مؤشر التحذيرات ارتفع بدرجة مثيرة للقلق لدى أجهزة الاستخبارات الفرنسية والأميركية تحديدا، من أن تصبح القارة السمراء البوابة الخلفية لتنظيم داعش المهزوم في منطقة الشرق الأوسط.

وتتناول التقارير الاستخبارية اليوم، هجمات مسلحة تشنها الجماعات المتطرفة في محافظة كابو ديلغادو الغنية بالنفط في موزمبيق والتي يقطنها 2.5 مليون نسمة والمجاورة لتنزانيا، وتقطنها غالبية من المسلمين الذين يشعرون بالتهميش والبطالة في مدينة نفطية.

وأثارت الهجمات موجة من الذعر عبر الدول المجاورة، إلا أنها لم تتفق إلى حد الآن من أجل عمل مشترك لتطويق التنظيمات المتطرفة قبل استفحالها.

وأعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن بعض الهجمات، لكن المتطرفين من كينيا وتنزانيا وجماعة محلية أخرى تسمى “أهل السنة والجماعة” هم أيضا وراء تصاعد العنف.

ولم يتضح بعد ما إذا كانت الجماعات المتطرفة مرتبطة ببعضها وبالتالي يصعب تحديد الجهة التي تقف وراء الهجمات.

ومنذ عام 2017، قتل المسلحون 700 مدني واستهدفوا أيضا قوات الأمن في موزمبيق، ودمروا البنية التحتية الحكومية وصادروا الأسلحة من القوات الأمنية. وقتلت مجموعة متطرفة 52 شخصا في قرية بمحافظة كابو ديلغادو وهو الهجوم الأكثر دموية حتى الآن في موزمبيق. ولكن لم تعلن أي جماعة مسؤوليتها عن الحادث.

وبدأ العنف بكابو ديلغادو في أكتوبر 2017، بعد عدة سنوات من اكتشاف مكامن نفط وغاز ضخمة في المنطقة.

واستثمرت الشركات متعددة الجنسيات، مثل “إكسون موبيل” و”توتال” في المنطقة، لكن التمرد المتزايد مثل لها خطرا كبيرا، حيث قد يتسبب في تعطيل مشاريعها إذا استمر العنف في التصاعد.

وتشترك موزمبيق في الحدود مع ملاوي وجنوب أفريقيا وإسواتيني وزامبيا وزيمبابوي وتنزانيا، وجميعها أعضاء في مجموعة التنمية لأفريقيا الجنوبية، وهي كتلة اقتصادية تتكون من 16 دولة تبلغ قيمتها الإجمالية 721 مليار دولار. وإذا لم تتم السيطرة على التمرد قريبا، فقد ينتشر العنف في جميع أنحاء المنطقة، ما يهدد سلام واستقرار الدول الأعضاء الأخرى. لكن مجموعة التنمية لأفريقيا الجنوبية لا تقوم بعمل استجابة منسقة لخطر لا يزال يلوح في الأفق.

هجمات تشريد وقتل

موزمبيق نقطة انطلاق لمشروع الجهاديين جنوب القارة السمراء
موزمبيق نقطة انطلاق لمشروع الجهاديين جنوب القارة السمراء

ارتفعت في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2020، الحوادث العنيفة في كابو ديلغادو بنسبة 300 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2019، وفقا لتقديرات مشروع النزاع المسلح وبيانات الأحداث، وهو مشروع لرسم خرائط الأزمات مقره الولايات المتحدة. وخلال الفترة نفسها، قُتل 285 شخصا في هجمات متطرفة، ليصل العدد الإجمالي لجميع الوفيات المبلغ عنها إلى أكثر من 1000 منذ بدء التمرد. وفر أكثر من 200 ألف شخص من منازلهم مع انتشار العنف باتجاه الجزء الجنوبي من المحافظة.

وبالإضافة إلى الموارد المعدنية الغنية التي تتمتع بها محافظة كابو ديلغادو، لعب تهميش غالبية السكان المسلمين دورا رئيسيا في تأجيج نيران التمرد. حيث دفعت سنوات من إهمال الحكومة المركزية والبطالة والفقر الشباب المحبطين في المحافظة إلى الانضمام إلى الميليشيات المسلحة.

وقال يوسف آدم، الأستاذ في جامعة إدواردو موندلين في مابوتو، لوسائل الإعلام المحلية “بالنسبة إليّ، لا معنى للتحدث عن الجهادية. هؤلاء الأشخاص يجدون أنفسهم مهمشين ولا يحصلون على الإعانات التي يجب أن يتلقوها”.

وتحرك الجيش الموزمبيقي لقمع الهجمات بمساعدة مقاولين عسكريين خاصين، بما في ذلك مجموعة فاغنر الروسية وشركة “دييك” الاستشارية ومقرها جنوب أفريقيا.

يوسف آدم: لا معنى للتحدث عن الجهادية، هؤلاء أشخاص يجدون أنفسهم مهمشين
يوسف آدم: لا معنى للتحدث عن الجهادية، هؤلاء أشخاص يجدون أنفسهم مهمشين

وتقول الحكومة إنها قتلت أكثر من مئة متمرد في الأشهر الأخيرة، لكنها بالكاد تتصدر الموقف. وترددت لسنوات، مما سمح للمتشددين بالتحول من حركة صغيرة إلى خطر أكبر بكثير.

ولطالما كانت الحكومة تعمل بسرية في شأن التمرد بكابو ديلغادو، حيث اعتبرت الهجمات نتيجة نشاط إجرامي محلي وليس قوة خارجية. وفي البداية، نفى بعض المسؤولين الحكوميين وجود الجهاديين. إلا أن أصوات المعارضة، مثل حزب الحركة الديمقراطية في موزمبيق، دعت الحكومة إلى إعلان حالة الحرب في المنطقة للحصول على الدعم الدولي في مكافحة التمرد الغامض.

مركز للتطرف الإسلامي

يهدد شمال موزمبيق الآن بأن يصبح مركزا إقليميا للتطرف الإسلامي، ويتطلب التهديد الأمني استجابة منسقة قبل أن ينتشر في دول أخرى. ولكن هناك شعورا متزايدا بين بعض المراقبين بأن مجموعة التنمية لأفريقيا الجنوبية كانت بطيئة في تقديم الدعم لموزمبيق.

ويقول البعض إن توسع جماعة بوكو حرام في شمال نيجيريا وفي الدول المجاورة هو دليل كافٍ على أن المجموعة يجب أن تساعد موزمبيق الآن قبل أن تواجه المنطقة الأوسع تهديدا مشابها.

وقرن تيبور ناجي، مساعد وزير الخارجية الأميركية للشؤون الأفريقية، خلال مؤتمر صحافي عبر الهاتف في مايو الماضي، صعود التمرد في موزمبيق بظهور بوكو حرام. وقال ناجي “كانت بوكو حرام مجرد حركة صغيرة، وبسبب الطريقة التي استجابت بها الحكومة النيجيرية في البداية لها، نمت لتصبح تهديدا خطيرا للغاية، ليس فقط بالنسبة لشمال شرق نيجيريا ولكن أيضا للدول المجاورة”.

وتدعم الدول المانحة والمنظمات الدولية الحكومة الفاسدة بدلا من أن تنتقدها، تاركة الملايين من الموزمبيقيين غارقين في الفقر.

وتحتاج موزمبيق إلى المساعدة الإقليمية، فهي لا تزال تتعافى من عقود من الحرب الأهلية التي انتهت عام 1992. وقد كافح جيشها ضعيف الموارد لاحتواء ومقاومة الهجمات التي يشنها المتطرفون.

ودفع تصاعد العنف الرئيس الموزمبيقي، فيليب نيوسي، إلى طلب المساعدة من مجموعة التنمية لأفريقيا الجنوبية.

وبعد تجاهل التمرد في موزمبيق لسنوات، عقدت مجموعة التنمية لأفريقيا الجنوبية اجتماعا خاصا في التاسع عشر من مايو الماضي لكنها لم تسفر إلا عن وعود فارغة.

وكانت تنزانيا، التي تحد كابو ديلغادو إلى الشمال، هي الدولة الوحيدة التي ردت بسرعة بإرسال قواتها إلى الحدود. وهذه الخطوة كانت إجراء احترازيا يمكن أن يثبت أنه حيوي في الحد من عمليات المتطرفين وانتشار أنشطتهم في تنزانيا، حيث يشتبه في أن بعض المتمردين لديهم صلات بها.

الخطر يهدد زيمبابوي

الأمن الأفريقي مهدّد
الأمن الأفريقي مهدّد

يشكل التهديد المتطرف المتزايد في موزمبيق خطرا كبيرا على زيمبابوي، التي تعتمد على موزمبيق للحصول على الكهرباء والمواد الغذائية المستوردة. وعلى الرغم من نفي الشائعات بأنها نشرت جيشها لمساعدة موزمبيق على محاربة التمرد، يعتقد أن زيمبابوي أرسلت حوالي ثلاثين جنديا من النخبة لتدريب الجيش الموزمبيقي بينما تنتظر نشرا محتملا للقوات من قبل مجموعة التنمية لأفريقيا الجنوبية.

كما ستتأثر جنوب أفريقيا بشكل خطير بصراع موزمبيق. حيث تتقاسم الدول ممرا اقتصاديا مهما يضم أيضا أنشطة غير قانونية مثل تهريب المخدرات التي تدعم المجموعات الإرهابية ماليا. لكن رئيس جنوب أفريقيا، سيريل رامافوسا، ظل صامتا بشكل واضح بشأن الصراع المتصاعد.

وفي مايو، كشفت وزيرة خارجية جنوب أفريقيا ناليدي باندور، أن حكومة بلادها أجرت محادثات مع الحكومة الموزمبيقية حول كيفية تقديم المساعدة، لكنها لم تقدم أي تفاصيل. وجاء التعليق بعد تقارير إعلامية عن أن رامافوسا كان يدرس طلبا رسميا من موزمبيق للحصول على الدعم.

وجعلت أزمة فايروس كورونا الاستجابة المنسقة أكثر إلحاحا، حيث يمكن للوباء أن يقوض عمليات مكافحة الإرهاب في موزمبيق.

وتقوم العديد من الدول الأفريقية بتحويل الإنفاق العسكري للاستجابة للأزمة الصحية، وقد استخدم المتمردون الوباء لزيادة هجماتهم ونشر دعايتهم في حين حصلوا على دعم مدني من خلال توزيع الغذاء والدواء والوقود على السكان المخلصين. لكن الإجراءات الحكومية لتشديد الحدود وطرق النقل الداخلي يمكن أن تزعزع استقرار عمليات المتطرفين.

وإذا كان لدى الدول المشتركة مع موزمبيق في مجموعة التنمية لأفريقيا الجنوبية خطة صلبة، فإنها لم تكشف عنها للجمهور.

ولم تتحرك هذه الدول بسرعة، على الرغم من أن التمرد يمكن أن يؤثر عليهم. ومع احتدام الصراع، اتضح أنه لا يمكن تركه دون مراقبة لفترة أطول. وإذا استحوذت الجماعات المتطرفة على المزيد من الأرض، فستكون لذلك عواقب وخيمة على السلام والنشاط الاقتصادي في المنطقة.

7