عندما يعتذر بايدن

الأربعاء 2014/10/08

قبل كل شيء لابد من التذكير بأن نائب الرئيس الأميركي جو بايدن هو الممسك بالملف العراقي منذ 2009، وأنه أسوأ من أدار هذا الملف. فهو أكثر واحد قدّس نظام المحاصصة الطائفي العنصري، وأشرك إيران في كل قرار وكل شأن عراقي على حساب مصالح العراقيين الحيوية. وهو الذي دعم نوري المالكي بلا حدود، وأغمض عينيه عن كل تصرفاته وقوانينه وإجراءاته الانفعالية الانتقامية الثأرية، حتى وهو يتابع تأثيراتها ونتائجها التي تشعل النقمة في قلوب الملايين من السنة العراقيين، وتدفع بأكثرهم إلى البحث عن أي حليف يشد من أزرهم ضده وضد مليشياته، حتى لو كان داعش والقاعدة وحزب البعث والإخوان المسلمين.

وهو، فوق ذلك، صاحب نظرية التقسيم القسري للعراق، (كردستان وشيعستان وسنِّستان)، دون تأمين الظروف الديمقراطية التي تجعل من ذلك التقسيم عملية إدارية محضة تتفاهم عليها، بسلام وشفافية وتسامح، أطراف المحاصصة الطائفية العنصرية التي يحتضنها ويمدها بالقوة والجبروت، ودون أن يدرك أن تقسيم العراق، بتلك العشوائية والارتجالية، قابل لأن يجر إلى سفك هائل للدماء في العراق والمناطق المجاورة إذا فرض بقوة السلاح.

وفي المقابلة التي جرت معه، وهو عضو في مجلس الشيوخ عن ولاية دلاوير عام 2006، حذّر بايدن من أن “العراق سيدخل في دوامة صراع طائفي يمكن أن يزعزع استقرار المنطقة بأسرها، إذا لم يُنفّذ مخططه التقسيمي”.

ومن سقطاته الأخيرة، وربما المقصودة للابتزاز، قوله مؤخرا إن “حلفاء واشنطن كانوا مصرّين على إسقاط النظام السوري بأي طريقة، ودفعوا الملايين من الدولارات، وأرسلوا مئات الأطنان من الأسلحة لأي مجموعة تريد قتال الرئيس السوري بشار الأسد، متقبّلين التعاون مع عناصر لها ارتباطات واضحة بـ(جبهة النصرة) و(القاعدة) والجهاديين المتطرفين القادمين من مختلف أنحاء العالم”. ولكن نائب رئيس أكبر دولة في العالم يتراجع عن اتهاماته لدولة الإمارات، ويزعم أنه لم يقصدها بكلامه الممجوج.

ولابد هنا أيضا من التذكير أن داعش هي وريثة تنظيم الزرقاوي ودكاكين المقاومة العراقية الدينية السنية المتطرفة. والمعروف أن كل تلك التنظيمات ما كانت لتكون لولا الاحتلال الأميركي وإجراءاته وقراراته الخاطئة. وقد ساهمت إيران وسوريا، ودول أخرى يقال إن منها قطر، في تنشئة الكثير من هذه الحركات والتنظيمات المارقة وتغذيتها لاستخدامها أوراقا سياسية تخبئها لوقت الحاجة.

إن أبرز أخطاء الأميركان، سواء كانت مقصودة أو نتيجة إهمال أو جهل، هي تسريح مئات الآلاف من الضباط والجنود العراقيين دون تعويضات، وإلغاء وزارة الإعلام والامتناع عن دفع الرواتب والمستحقات المتأخرة للآلاف من موظفيها غير البعثيين، أو على الأقل غير القياديين في حزب البعث، وفتح حدود العراق على مصاريعها، وإغماض العين عن زرافات وقطعان الحيوانات البشرية المتوحشة من قطاع الرؤوس وأبطال المفخخات، وهي تدخل من سوريا وإيران وتخرج بحرية، دون رقيب أو حسيب.

ومن يعرف أسرار ما كان يجري خلف كواليس المعارضة العراقية السابقة، تحت خيمة اللقاء (المصالحي) الإيراني السوري الأميركي، وما تبع ذلك من تفاهمات واتفاقات وتوزيع مهمات ومواقع في عراق ما بعد صدام حسين، لا يستطيع أن يعفي الديمقراطيين والجمهوريين الأميركان، وسبعة رؤساء أحزاب معارضة عراقية من مسؤولية ما سال من دماء عراقية بريئة على تراب الوطن، شماله وجنوبه، شرقه وغربه، من قبل سقوط النظام بعشرات السنين، وطيلة سنوات حكمهم غير الرشيد.

فإدارة كلينتون، الديمقراطية، احتضنت أولئك العراقيين بقوة وحماس، وأغدقت عليهم، وهي تعلم أن إيران وسوريا تقفان وراءهم، وتتخذان منهم دروعا بشرية لتمرير أطماعهما االتوسعية القديمة المتجددة.

ثم قامت إدارة بوش الابن، الجمهورية، بتسليم العراق، بكل ثرواته وقوته وموقعه وملايينه البشرية الفاعلة، لقادة الأحزاب الإيرانية العراقية وحلفائهم قادة الحزبين الكرديين الرئيسين، رغم علمها أن هذه الأحزاب ليست سوى مليشيات يشهد سجل نشاطها منذ الثمانينات، بأنها إرهابية بامتياز.

ولا يعقل أنها كانت تجهل أن عراقا تهيمن عليه هذه المليشيات وتديره، لن يكون ديمقراطيا ولا آمنا، بأي حال. وتعلم، أيضا، أن مصلحة العراق والعراقيين ليست ذات قيمة لدى قادة هذه المليشيات، ولا لدى أجهزة المخابرات التي تختفي وراءها.

وطبيعي أن تضاعف ثروة العراق الهائلة، حين تصبح من أملاكها، سطوتها وجبروتها وتسهل عليها تمويل عملياتها الإرهابية ضد أبناء المكونات العراقية الأخرى، ودول الجوار. وهذا ما سيجعل تمددها إلى دول الجوار، وربما أبعد من دول الجوار، لتعبث بأمن شعوبها، أمرا واقعا لا محالة.

ثم لم يكن صعبا على أميركا أن تدرك أن من تحصيل الحاصل الحتمي أن تولد وتنشأ، بالمقابل، مليشيات وتنظيمات إرهابية سنية لا تقل تطرفا وعنفا وإرهابا عن تطرف وعنف وإرهاب المليشيات السلطوية، فتشتعل حروب ثأرية مذهبية ماحقة، يتسلح كل فريق من المتقاتلين بذريعة حماية أمن مواطنيه، وحمايتهم من طوفان الرعب القادم إليهم من هناك، الأمر الذي لابد أن يجعل الحياة رحلة يومية دامية من موت إلى موت. وهذا ما حصل وما يحصل اليوم، وقد يستمر لعشرات السنين. والجريرة الكبرى التي ارتكبتها إدارة بايدن للملف العراقي، أنها تعامت عن تقدير مخاطر تحالف القوى الكردية مع المعسكر الشيعي الإيراني على مستقبل العراق ومصيره والمنطقة.

وإذا كانت أحزاب إيران العراقية محكومة بالالتزام بتنفيذ أجندة إيران ومصالحها التوسعية في العراق والمنطقة، فإن تحالف قيادة الحزبيْن الكرديين، بدوافع عصبية قومية انتهازية، مع المعسكر الإيراني العراقي كان هو الأكثر خطرا وضررا وجريرة. فلولا ذلك التحالف لاضطر قاسم سليماني للتأني قبل أن يأمر عملاءه العراقيين بممارسة التطهير العرقي الطائفي ضد مناطق السنة في بغداد والمحافظات الأخرى، وتنسيق عمليات اغتيال الضباط والأطباء والمهندسين العراقيين الذي خدموا في نظام صدام أثناء حربه مع الخميني، ولتباطأ الحرس الثوري الإيراني في احتلال العراق وجعله مستعمرة إيرانية ينطلق منها إلى دول الجوار، ولأَمْكَنَ إقامة نظام حكم علماني ديمقراطي غير طائفي وغير عنصري في العراق، أساسه العدل والمساواة بين العراقيين، وسيادة سلطة القانون.

خصوصا وأن شرائح واسعة جدا من العراقيين، سياسيين وغير سياسيين، كانت تأمل وتعمل على تسليم السلطة في السنة الأولى، على الأقل، لحكومة تكنوقراط مستقلة عن الأحزاب والتنظيمات السياسية، تتولى صياغة قانون انتخاب متوازن وعادل وغير مغشوش، وتعيد بناء الجيش وقوى الأمن الداخلي على أساس الكفاءة والنزاهة، ثم تشرف على انتخابات نزيهة برقابة دولية حقيقية فاعلة، ثم تسلّم السلطة بعد ذلك للحزب أو التنظيم الفائز بأغلبية الأصوات.

أما من يأتي اليوم من الأميركيين والأوروبيين والعراقيين والسوريين، شيعة وسنة، زاعما رفض الاجتياح الداعشي، والرغبة في محاربة الإرهاب واقتلاعه من العراق وسوريا، فهو إما كاذب ومنافق، أو أهبل ومغفل ومضحوك عليه. إذ كيف يمكن أن يكون صادقا من يحارب إرهابا في جزء من وطن، ويدعم إرهابا آخر أقوى وأوسع وأشد عنفا وهمجية وتخلفا في جزء آخر منه؟

ونبوءة وزير الدفاع السابق ليون بانيتا أكثر صوابا وواقعية. ففي تصريحات نشرتها صحيفة “يو اس ايه توداي”، قال “أعتقد أن الحرب ستستمر نحو ثلاثين عاما، وقد يمتد تهديد التنظيم المتطرف إلى ليبيا ونيجيريا والصومال واليمن”.

وواهمٌ جدا من يصدق أن أميركا، ومعها دول التحالف الدولي الجديد ضد داعش، راغبة حقا في استئصال العنف والإرهاب وديكتاتورية العقيدة الواحدة، وهو يراها تنشغل بالقشور، ولا تمس الجذور المذهبية والعنصرية التي أنتجت داعش، وأنجبت مليشيات: “عصائب الحق، عصائب أهل الحق، وسرايا طليعة الخراساني، وكتائب سيد الشهداء، وحركة حزب الله، النجباء، وكتائب حزب الله، وسرايا السلام، وفيلق الوعد الصادق، ومنظمة بدر- الجناح العسكري، ولواء عمار بن ياسر، ولواء أسد الله الغالب، ولواء اليوم الموعود، وسرايا الزهراء، ولواء ذو الفقار، ولواء كفيل زينب، وسرايا أنصار العقيدة، ولواء المنتظر، وبدر المجاميع الخاصة، ولواء أبو الفضل العباس، وحركة الجهاد والبناء، وسرايا الدفاع الشعبي، وكتائب درع الشيعة، وحزب الله الثائرون، وكتائب التيار الرسالي، وسرايا عاشوراء، وكتائب مالك الاشتر، وحركة الابدال، وحركة العراق الاسلامية- كتائب الإمام علي، وجيش المختار، والحشد الشعبي، والحرس الثوري الإيراني”.

ولعل أخطر أخطاء السياسات الأميركية الأوروبية التي أنتجت داعش والنصرة وعشرات التنظيمات السلفية التكفيرية، هو التقاعس عن نجدة الشعب السوري الذي ظل يُذبح طيلة ثلاث سنوات بكل أنواع السلاح الروسي والإيراني وحزب الله وعشرات المليشيات الطائفية العراقية التي هي، بشكل أو بآخر، حصيلة الإدارة الأميركية للعراق أيام الاحتلال.

فكيف يتوهم أحد له عقل أن جماهير سورية وعراقية عريضة تتلقى كل يوم أنواع القتل والتدمير، وتقف مكتوفة الأيدي في انتظار الموت الآتي إليها من كل حدب وصوب؟

وكيف يعقل أن تكون دول عضمى كأميركا وبريطانيا وفرنسا وغيرها عاجزة عن تتبع خيوط تمويل وتجهيز وتدريب وحماية داعش وغيرها، ومنها دول وحكومات حليفة جدا لأميركا ولدول أوروبا الغربية الكبرى، بل هي من صنعها ورعايتها وحمايتها؟

وكيف يصدق مواطن بريء مثلي أن دويلة بحجم قرص الطعمية المصرية كلُّ أمجادها أنها، كلها، قاعدة عسكرية أميركية تجرؤ على تحدي ولية أمرها، أميركا، وتشاكسها وتعمل ضد سياساتها ومصالحها وأهدافها؟

إن من ينظر بعين واحدة إلى الإرهاب العربي والإرهاب المسلم، ويغمض عينه الأخرى عن إرهاب الأحزاب العنصرية المتطرفة اليهودية، وجرائم المستوطنين ضد المدنيين الفلسطينيين، وحملات حكومة نتانياهو الاستيطانية في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة، كاذبٌ ومنافق.

فالإرهاب كله، بكل أنواعه وألوانه وأشكاله ومنطلقاته، ملة واحدة، ولابد لمن يدعي الحرص على العدالة والأمن الدولي والسلام وحقوق الإنسان، أن يرفضه ويرفض الدول التي تنشئه وتموّله وتسلحه وترعاه.

فمتى يعتذر بايدن لشعوب العراق وسوريا وفلسطين واليمن والبحرين باسم إدارته والإدارة السابقة، عن صنع داعش والنصرة ومليشيات المالكي وإيران؟ الله أعلم.


كاتب عراقي

9