عندما يغامر المعممون بأرواح شيعة العراق

معمم شيعي: مستعد لتقبيل فم المصاب بالوباء إذا كان قد قبّلَ هو شبّاك الإمام الحُسين.
الاثنين 2020/03/30
كورونا فضح العمائم

انتشار فايورس كورونا في العراق، لم يطرح فقط أسئلة الصحة والوقاية والتوقي من انتشار الجائحة، بل أثار جدلا حول تفاعل المعممين الشيعة مع انتشار الوباء، واستهانتهم بأرواح المواطنين من خلال التهوين من خطر الوباء والحث على مواصلة زيارة المراقد.

بغداد - نشرت عدة فيديوهات للمجالس الحسينية التي يقيمها أصحاب عمائم، يهوّنون فيها من خطورة الوباء الذي يجتاح العالم، ويعتبرون منع الزيارات للمراقد في النجف وكربلاء، تعديا على قدسيتها، وإضعافا للدين، وأن العلاج موجود في التبرك، حتى أن قارئ المنبر المعمم علي السماوي قال إنه مستعد لتقبيل فم المصاب بالوباء، إذا كان قد قبّلَ هو شبّاك الإمام الحُسين. أما مرجع ميليشيا أبوالفضل العباس، أحد فصائل الحشد الشعبي، قاسم الطائي، فاعترض على منع الزيارات وصلاة الجمعة، قائلاً: إن كورونا لا يُصيب المؤمنين!

ظهرت الاستهانة بأرواح الناس في زيارة الإمام موسى بن جعفر الكاظم، فقد ظهر حازم الأعرجي، المشرف على العتبة الكاظمية مِن قِبل التيار الصدري، مرحباً بالقادمين من المحافظات الجنوبية والوسطى، على أن هذه العتبة هي عتبة “أبوطلبة”، أو “باب الحوائج”، حسب الألقاب التي أطلقها عليه رجال الدين.

ومن المعلوم أن مقتدى الصدر في بيانه بخصوص وباء كورونا، ذكر اعتراض تياره على غلق أبواب العتبات، مع توصية بالتزام النصائح الطبية، لكنه لم يفكر كيف تطبق النصائح الطبية، للوقاية من هذا الوباء، والزيارات تبقى مفتوحة بل ويُشجع عليها، بينما من أهم شروط الوقاية عدم ازدحام الناس وتماسهم.

كانت خطب الجمعة للمرجعية الدينية تهز الأسماع، بالتناوب بين وكيليها أحمد الصافي وعبدالمهدي الكربلائي، وأصدرت من قبل فتوى “الجهاد الكفائي” لدرء خطر داعش، وعنها تشكل خطر آخر وهو فصائل الحشد الشعبي التي يتصاعد ضررها، فنحو 800 متظاهر قُتل على يد تلك الفصائل، لكن المرجعية وخطباء الجمع لاذوا بالصمت تجاه خطر الوباء الذي يهدد حياة الناس، ولم يُسمع للمرجعية كلمة ضد تلك العمائم التي تدفع الناس إلى خرق الوصايا الصحية في هذا الظرف العصيب.

ومن عادة المراجع أنهم يجيبون على سؤال، والجواب يكون بحكم الفتوى حتى لو كان مصاغاً من قبلها لتبرير الفتوى، وبهذا نشر مكتب علي السيستاني، جواباً لأسئلة سُجلت بإمضاء “جمع من المؤمنين”، يسألون فيها عن التصرف في هذا الظرف الصحي، ومنها أنه هل تجوز المماسة والمصافحة والاختلاط بين الناس، وعن الخمس والزكاة، فجاءت وصايا المرجع، التي أذيعت عبر موقعه الإلكتروني، كالآتي: إنه لا يجوز الاختلاط بالآخرين، ويجب استخدام وسائل للوقاية في حالة الخشية من العدوى، والالتزام بتعليمات الجهات المسؤولة، وأن يسمح بصرف الخمس والزكاة في سبيل الله، مع “رعاية الضوابط الشرعية”، ثم يوصي المرجع بالتضرع والالتجاء إلى الله، وقراءة القرآن والأدعية، وعدم الأخذ بالأساليب غير العلمية.

لكن تلك أمور معروفة لا تحتاج إلى مرجع يوصي بها، بل هي من البديهيات، فالأهم هو إيقاف الزيارات ومواكب اللطم، وضرورة إصدار فتوى تحد من التلاعب بعقول الناس، وتدفعهم إلى الانتحار الجماعي بسبب هذا الوباء الجارف.

وباء كورونا فضح كبار أصحاب العمائم وصغارهم، عندما أخذوا يغامرون بأرواح الناس نصرة لمصالحهم في وجود الجهل
وباء كورونا فضح كبار أصحاب العمائم وصغارهم، عندما أخذوا يغامرون بأرواح الناس نصرة لمصالحهم في وجود الجهل

ما يلفت النظر أن المعممين، وفي مقدمتهم المراجع الكبار، لا يجرؤون على إصدار فتاوى لا تطرب جمهور العوام، وتحد من عواطفهم، فمصالحهم مرتبطة بجهل العوام.

ومن المعروف أنهم يعترضون على أي قانون أو تصرف يحد من المقدسات، التي عبرها يُستغل العوام أيما استغلال. لهذا جهد المعممون، وكان أحدهم رئيساً للجنة كتابة الدستور وهو همام حمودي، أحد قياديي المجلس الأعلى الإسلامي، وأصبح رئيساً له بعد انسحاب عمار الحكيم منه، في تثبيت الشعائر الحسينية في الدستور، وعندما يُقال الشعائر الحسينية، فإنها تشمل الزيارات والممارسات الخارجة عن العقل.

وهناك جهة مرجعية أخرى، تربط قوة وجودها بالمبالغة في الشعائر الحسينية، وتتمادى في الغلو إلى درجة دفع الشباب إلى الدخول في الطين والزحف على الأرض حزناً على الحُسين، ناهيك عن التطبير بالقامات والتسوط بالسلاسل على الظهور، وهذه المرجعية هي المرجعية الشيرازية، والتي لها منظمة سياسية تُعرف بمنظمة العمل الإسلامية، التي مارست الاغتيالات في السبعينات وبدايات الثمانينات داخل العراق. تشكل هذه المرجعية خطورة على العقل والثقافة، بمحاولة إلغاء العقل لصالح الخرافة.

ليست المراجع الدينية وحدها من تستغل الناس، وهذا الاستغلال لا يتم إلا بشرط تعميم الجهل وتكريسه، إنما الأحزاب السياسية الدينية، الشيعية على وجه الخصوص، تعتبر الشعائر الحسينية، وتكثيف المناسبات الدينية، مهمة لمصالحها، حتى ظهر عدد من أصحاب العمائم السياسية يتحدث عن أهمية الزيارة إلى العتبات المقدسة، فهي الثمرة من تغيير النظام السابق، وعلى العراقيين الشيعة، الصبر على الفساد والحرمان، باعتبارهما من الأمور الثانوية أمام المطلب الأساس وهو ممارسة التطبير واللطم، وتكثير المواكب، التي يعجبهم تسميتها بالمليونية.

من أبرز اللاعبين في عقول العراقيين الشيعة اليوم هو مقتدى الصدر، الذي يفتي بكل شيء، يخرج على تياره طبيباً وعالماً وسياسياً، وليس عليهم إلا التهليل له بعبارة “اللهم صلي على محمد وآل محمد”، حتى صار لقبه “السيد القائد”، وجد جمهوراً لتياره خالٍ من الرأي والتفكير. يتقلب مقتدى الصدر من موقف إلى آخر، جمهوره يسمع منه حتى عبارة “أنتم جهلة جهلة جهلة”، وآخر فتاواه في وباء كورونا، لما ربطه بزواج المثليين أو بظاهرة المثليين، فقدم نصيحة لدول العالم أن يلغوا هذا الزواج، فهو سبب وباء كورونا!

لقد فضح وباء كورونا كبار أصحاب العمائم وصغارهم، عندما أخذوا يغامرون بأرواح الناس نصرة لمصالحهم في وجود الجهل، وبدل سماع صوت العقل لدرء هذا الوباء، أخذ أصحاب المواكب ينشرون “الذي عنده علي (ابن أبي طالب) ما يعرف المستشفى”! وأطباء هذا المستشفى هم أصحاب العمائم.

13