عندما يغيب إسماعيل مطر

ما يستطيع المرء أن يلاحظه هو أن جانبا كبيرا من الاحتفال بلاعبي كرة القدم، هو بالأحرى من صنع لاعبين أكثر حرفية منهم، وإن كانوا يتقاضون رواتب أقل.
الجمعة 2018/12/07
مراسل "سي ان ان" يعود إلى البيت الأبيض

نعم. “يغيب إسماعيل مطر أربعة أسابيع بسبب الإصابة”. هكذا كان يقول الخبر.

ولكن من هو إسماعيل مطر؟

يبدو أنه لاعب كرة قدم في واحد من الأندية المحلية، أثار غيابه عن الملاعب اهتمام بعض محرري الصفحات الرياضية، فأرسلوه خبرا في برقيات طارت مع الأثير لتصل إلى كومبيوتري.

لا أنكر أني أصبتُ بالهلع، ليس بسبب إصابة ذلك اللاعب (وأسأل الله له الشفاء)، ولكن بسبب انشغالات بدت مفرطة في التقاط كل وقعة وواقعة تحدث في كرة القدم. ثم زارني الأرق بسؤال لم يبرق إلا على صفحة الورق هذه: متى يكون غياب كرم نعمة، بسبب الإصابة بالزكام خبرا؟ لم لا تشمل أخبار ملاعب الصحافة كواحل لاعبين مثل نوري الجراح أو حازم صاغية أو جهاد الخازن أو خالد القشطيني من أخبار الصحافة ونشراتها الطائرة؟

وهؤلاء، كما غيرهم، لاعبون حبتهم ملاعب القلم بمواهب شتى، وواحدهم يستطيع أن يصيب بتسديدة مباشرة، هدف القول، ويخترق شباك المعاني بضربة قلم حرة، ويضيء فكرة انطلقت من أقصى ركنية الإدراك، أو يناور اللغة حتى ينفرد بجملة تنم عن وعي خارق.

ما يستطيع المرء أن يلاحظه هو أن جانبا كبيرا من الاحتفال بلاعبي كرة القدم، هو بالأحرى من صنع لاعبين أكثر حرفية منهم، وإن كانوا يتقاضون رواتب أقل. كما أنه احتفال ذاتي أيضا. بمعنى أن أهل هذا “الكار” يحتفلون بأنفسهم حتى يتحولوا إلى قصة تشغل الناس رغم أنهم لا يمثلون إلا جزءا من مدينة، بينما الذين يمثلون أدب وثقافة وفكر أمة بكاملها لا يحظون باهتمام مماثل.

هذا يملي عليك السؤال: لم لا نجعل من الإنفلونزا خبرا إذا أصابت كاتب عمود مرموقا، وأجبرته على أن يخلي مكانه للاعب آخر في الفريق؟

ما الذي يمنع أن تحتفل كل صحيفة بنفسها وبلاعبيها كما تحتفل بهم النوادي؟

لست على يقين من أن ذلك سوف يؤدي إلى ارتفاع أسعار اللاعبين، أو ينشئ سوق “انتقالات شتوي” لهم، أو يتحول رؤساء التحرير إلى قصة يومية كما هو الحال مع جوزيه مورينيو، أو يورغن كلوب، أو يواخيم لوف. ولكن ما هو أكيد أن لاعبي الخبر والعمود والمقال، لن يندفعوا هم أنفسهم في هذا الاتجاه.

هناك قاعدة تملي عليهم التحفظ: “الصحافي الناجح هو من يأتي بالخبر، ولا يتحول هو نفسه إلى خبر”.

ولكن ماذا بشأن الاستثناءات التي تتزايد كل يوم، مع تغير وسائل التواصل، ومع تحول الإعلام إلى إعلام لا يتجاهل ما يجري في ملعبه الخاص؟

جيم أكوستا مراسل الـ”سي.أن.أن” الذي أثار حفيظة دونالد ترامب، تحولت مواجهته للرئيس إلى خبر. وتحول سحب ترخيصه من دخول البيت الأبيض إلى خبر. ولو تعرض إلى حادث التوى فيه كاحله، بعد إعادة رخصته له، لأصبح خبرا أيضا، قد يطير على النحو التالي: “جيم أكوستا يغيب أربعة أسابيع عن البيت الأبيض، بسبب الإصابة”.

الرئيس دونالد ترامب قد يكون أول المبتهجين بغيابه. وقد ينتهز الفرصة لإعطاء انطباع مختلف، بأن يرسل له باقة ورد، مع جواب عن السؤال الذي لم يجب عنه عندما وقعت الواقعة بينهما.

في جميع الأحوال، فإن هذا الاستثناء، ليس بالضرورة استثناء حقيقيا.

مواجهات الصحافيين، والمخالفات التي يرتكبونها ضد بعضهم أثناء اللعب الخشن، وضربات الجزاء التي تتعرض لها صحفهم، ومقالاتهم التي تنغص على الحكام ومراقبي الخط حياتهم، كلها تشير إلى أنهم لاعبو مهنة تستحق أن تحتفل بنفسها مثلما تحتفل نوادي كرة القدم بلاعبيها.

18
مقالات ذات صلة