عندما يغيب التحري في الوقائع تكون الصحافة أدنى من الهاوية

من المهم أن ندرك جيدا أن الصحافة تتفرد عن أشكال التواصل الأخرى، مثل العلاقات العامة والإعلان وحتى الدعاية، بأنها مهنة التحري والدقة.
الاثنين 2019/07/22
الدقة في الصحافة ليست ترفا لغويا

من فعل أو قال ماذا، أين ومتى، كيف ولماذا، هي أسئلة ستة يتعلم المبتدئون في الصحافة، منذ الأيام الأولى بل الساعات الأولى في دراستهم، أن الجواب عنها هو الخبر. وكذلك يتعلمون أن الجواب عنها غير كاف ما لم يقترن بشروط على رأسها الدقة التي لا تكون إلاّ بالتثبت في الوقائع والأقوال عند استقائها وصياغتها ثم نشرها.

وإذا كان لا بد من مثال فإن الصحف التونسية لم تكن دقيقة أبدا، يومي 16 و17 يوليو، في نشر خبر القتل الذي جدّ في مدينة سوسة، شرق البلاد. فالقول إن “تفاصيل الحادثة تتمثل في أنّ محاميا أطلق النار على شاب عند تفطنه لمحاولة سرقة منزله فأرداه قتيلا” قول غامض يثير كوكبة من الأسئلة وهو إخلال بمبادئ المهنة وبأخلاقياتها.

إن الدقة في الصحافة مسألة جوهرية إلى حد أن البعض يطلق على الصحافة مهنة تحري المعلومات. ويمكن تعريف الدقة بمعيارين أساسيين وهما ألاّ يترك الناشر أي سؤال، يمكن أن يتبادر إلى ذهن القارئ، بلا جواب أولا، وأن يغلق باب التأويل في ذهنه في شأن ما نشره ثانيا.

وأبواب التأويل كثيرة والأسئلة متعددة في هذا المثال. فما الذي ينبغي أن نفهمه من القول “محاولة سرقة منزله”؟ إن مجرد السؤال يفتح باب التأويل لأن القارئ يعلم أن المحاولة تقتضي إما النجاح وإما الإخفاق. وإذا فُهم من السياق أن محاولة السرقة فشلت لأن الشاب مات يكون الصحافي أخطأ بالضرورة لأن أقوال مطلق النار ومحاميه تتحدث عن حدوث السرقة فعلا.

وتزداد الأمور غموضا بالقول إنه “أطلق النار عند تفطنه للسرقة” بما يعني أن إطلاق النار جرى أثناء “محاولة السرقة”. ويصبح المعنى عندئذ معنى قانونيا يورط المحامي ويضعه موضع من لا يدافع عن نفسه دفاعا مشروعا. وقد نشر المحامون الأربعاء 17 يوليو بيانا موجها للإعلام يستنكرون “ما احتوته من تجن صارخ وخطير في حق المحامي”.

ولا يمكن للقارئ ألاّ يتساءل عمن كان مذنبا، هل المحامي أم الشاب؟ وقد ظهر ذلك على فيسبوك عندما انقسم الناس قسمين أحدهما يبرئ المحامي وآخرهما يتهمه. وإن لم تكن مهمة الصحافي أن يقول للناس إن عمرا بريء وزيدا مذنب فإنه مطالب بالتحري وبالدقة ليساعدهم على الفهم وعلى بناء موقف.

ويبقى عمل الصحافي محفوفا بالمخاطر إذْ لا شيء يقول إن رواية مطلق النار ومحاميه هي الواقع. وليست تلك دعوة لإنكار قوليهما بل إن الصحافي ملزم أحيانا كثيرة بالتريث. فميثاق الصحافيين البلجيكيين مثلا، وهو من أجود المواثيق، ينص في بنده الرابع على أن الأخبار التي تقتضي نشرا عاجلا لا تعفي الصحافي من التحري والتدقيق.

صحيح أن التحري في بعض التفاصيل يقتضي وقتا طويلا وصحيح أنه لا يمكن انتظار التثبت من بعض الوقائع الأخرى إلا بعد سنوات، وذلك شأن الأمن والقضاء، غير أنه لا مبرر يتيح للصحافي ألاّ يذكر مثلا موقع الطلقة في جسم “الشاب” وهو أحد الأجوبة عن السؤال أين مثل الجواب عن أين أطلقت النار، هل في غرفة النوم أم في الحديقة أم في الشارع؟ ولماذا جاءت الأخبار الأولى بلا جواب عن السؤال متى؟ هل كان ذلك يحتاج إلى جهد كبير ونحن نعلم أن للوقت تأثيرا شديدا في فهم الواقعة وفي تحديد المسؤوليات؟

ثم لماذا الحديث أصلا عن محام وشاب في الأخبار الأولى؟ فكيف كان يُذكر مطلق النار لو كان معلما أو نجارا أو حدّادا أو بنّاء؟ وما معنى شاب؟ هل على القارئ أن يؤول إن كان سنه دون العشرين أم بينها وبين الثلاثين أم فوق ذلك وإلى أي حد؟ تلك مسائل وجب على وسائل الإعلام تحديدها بدقة في مواثيق تحريرية لا يخرج عنها أحد أبدا.

يقول بيل كوفاك وتوم روزينستيل في كتابهما مبادئ الصحافة إنه “لم يعد كافيا أن نورد الوقائع بدقة، بل أصبح واجبا أن نورد كذلك الحقيقة عن الوقائع”. وليس ذلك من باب الترف اللغوي. فيوم 30 ديسمبر 2018 نشرت النيويورك تايمز تحقيقا يكشف أن الجيش الإسرائيلي قتل عمدا المسعفة الفلسطينية الشابة رزان النجار. دقق الصحافيون في ألف مقطع فيديو أخذوها ممن كانوا هناك يوم الواقعة. وبذكرهم ذلك في المقال أقاموا الدليل للقراء على أنهم لم يوردوا وقائع دقيقة فقط بل أوردوا الحقيقة عن الوقائع.

لا يمكن للقارئ ألاّ يتساءل عمن كان مذنبا، هل المحامي أم الشاب؟ وقد ظهر ذلك على فيسبوك عندما انقسم الناس قسمين أحدهما يبرئ المحامي وآخرهما يتهمه

وليس غياب الدقة شأنا صحافيا تونسيا صرفا، وإن كان أمرا مقلقا ظهر جليا في مثال المحامي لأنه أثار قضية الدفاع المشروع عن النفس، بل هو شأن يمس الصحافة شرقا وغربا وبطرق شتى. لذلك يكون من المهم أن ندرك جيدا أن الصحافة تتفرد عن أشكال التواصل الأخرى، مثل العلاقات العامة والإعلان وحتى الدعاية، بأنها مهنة التحري والدقة.

يوم 5 فبراير 2003 نشرت وسائل الإعلام التي أمكن الاطلاع عليها ، شرقييها وغربييها، ما معناه أن وزير الخارجية الأميركية، كولن باول، عرض في مجلس الأمن صورا لأقمار صناعية “تثبت” أن العراق يملك أسلحة دمار شامل. فمن قال لهؤلاء إن الصور التي عرضها كانت لأقمار صناعية؟ وكيف لهم أن ينصبوا أنفسهم محامين عن كولن باول بتحمّلهم مسؤولية الإقرار بأن الصور التي لا يعلمون مأتاها “تثبت” وجود الأسلحة؟ فهناك فرق بين الإثبات وبين قول وزير متحامل.

فالدقة ليست مسألة تحقق فقط بل هي مسألة صياغة أيضا. لقد كان بإمكان ناشري خبر كولن باول إضافة كلمة واحدة تكفيهم شرّ صياغتهم بأن يذكروا أن كولن باول عرض صورا “قال” إنها تثبت أن العراق يملك أسلحة دمار شامل، والأمثلة كثيرة عن الغموض، والتحريف أحيانا وتلك مسألة أخرى، في نقل الوقائع والأقوال.

إن النقل والصياغة بدقة لا يعني دائما أن الصحافي قدم الحقيقة لقرائه لأن ذلك لا ينتج بالضرورة مضمونا ذا معنى بل هو إعادة بناء صورة مجتزئة من واقع أكثر تعقيدا ولذلك يحتاج المضمون أيضا إلى ما يسمى خلفية أو سياقا. صحيح أن رد فعل عدد من أهل القانون في شأن قضية المحامي جعل الصحافة تنتبه إلى أن الخبر لا يفهم بمعزل عن المجلة الجزائية وبنود الدفاع المشروع عن النفس غير أنه ما كان ينبغي للصحافة انتظار رد الفعل الذي جاء بعضه تقريعا.

يشبه الباحث والصحافي الأميركي ملفن منتشر في أحد كتبه، بعد الحديث عن الأسئلة الستة، سياق الخبر بالأوكسجين الذي لا نشعر بقيمته إلا عندما نفقده.

18