عندما يفقد المثقف دوره ويصبح عميلا لأجهزة الأمن

المثقف يسقط عندما يتخلى عن مهمته الرئيسية، في كشف الحقيقة والدفاع عن الحرية في كل العصور، مهما كان الثمن الذي يمكن أن يدفعه.
الأربعاء 2019/08/07
فيلم "البريء" عن مغالطات السلطة في تلاعبها بالمثقف

ماذا سيكون موقفك عندما تكتشف أن “صديقك” الذي كنت تتعامل معه منذ سنوات في الحقل الثقافي والأدبي، صديقك وزميلك الناقد والكاتب والمؤلف الذي يتبوأ منصبا حكوميا ويسعى للصعود الوظيفي وقد يصل في وقت من الأوقات، إلى أن يصبح مرشّحا لمنصب الوزير، هو في الحقيقة كاتب تقارير بوليسية، قضى عمره الوظيفي يكتب التقارير على زملائه، ولاؤه الأول ليس لجماعة المثقفين بل للبوليس السياسي الذي يتخذ اليوم تسميات أخرى كثيرة لا تنفي طابعه القديم الذي كان أكثر وضوحا ومباشرة.

هذا المثقف أصبح بعد أن كبر، يملك أيضا أن يمنح الكثير من المكاسب الصغيرة لصغار المثقفين، بفضل صلاته الوثيقة بأجهزة الأمن، وبعد أن تمرّس في كتابة التقارير البوليسية التي ينقل من خلالها يوما بيوم، كل ما يقال في مكتبه الذي يجتمع فيه الكثيرون من شتّى النخب والفئات الثقافية، وبعد أن أصبحت الفترة تزدحم بالكثير من اللغط والترقّب والصراع الشرس من أجل “الوصول” إلى الغايات الصغيرة عن طريق أقصر الطرق وأكثرها حقارة.

المثقف المحترم الذي يظهر على شاشة التلفزيون يتحدث ويلوك الكلمات ويفتي في ما يعرف وما لا يعرف، تتاح له فرصة الكتابة في الصحف، والعمل في الإعداد التلفزيوني لعدّة برامج، يصعد نجمه بسرعة ليتحوّل من مجرد موظف صغير بائس في إدارة من الإدارات الحكومية براتب متواضع، إلى رئاسة الهيئة أو المؤسسة التي يعمل لها، يغلق بابه في وجه أصدقائه القدامى لأنهم -حسب تصوّره- يمكن أن يجلبوا له المشاكل لمجرد وجودهم معه بسبب ما يتكلّمون فيه من مواضيع تسبّب القلق، وقد تتضمّن أحاديثهم أيضا بعض الانتقادات، لا سمح الله، وهو ما لن يُرضي السادة الذين يرفعه إليهم تقاريره.

أما أصدقاؤه القدامى فهم موهومون بأن “صاحبهم” القديم لا يزال كما عهدوه في بداية تعرّفهم عليه قبل أن يدخل طواعية، تسوقه شهوته، في شراك اللعبة الكبرى، لعبة السلطة.

هل يظل هذا الشخص في نظرك صديقا؟ وهل ستظل تعتبره مثقفا رفيعا تكتب حضرتك عنه بتقدير واحترام وحب وتتغزّل في جمال كتاباته وكتبه التي غالبا كتبها له غيره، ثم تترّحم عليه بعد أن يتوّفاه الله، وتعتبره مفكرا عظيما ساهم في رفعة الثقافة وإنقاذ الفن من عثرته عن طريق تدخلاته لدى جهات الأمن؟

قلائل للغاية هم من يقولون الحقيقة ويرفضون الوقوف في صف المهرّجين والانتهازيين، الذين يعرفون حقيقة هذا الذي كان صديقا، لكنهم يدارون ويتظاهرون بأنهم لا يعرفون، وبأن الرجل في الحقيقة، كان يقدّم خدمة للثقافة عن طريق كتابة التقارير، حتى لو أصابت بعض أصدقائه بالأذى وحرمتهم من العمل ودفعتهم للفرار خارج البلاد بسبب التضييق عليهم، ثم لا بد أنه سيصبح بعد وفاته في نظر هؤلاء، قدّيسا يجب أن نغفر له جميع خطاياه، عملا بالحديث غير الثابت، الذي يطالبنا بذكر محاسن موتانا، وترجمته الحرفية أن ننسى ونتجاوز ونغفر ولا نذكر السيئات مهما عظمت ومهما تسبّبت في الأذى والشر.

ما يحدث على أرض الواقع أنك إذا ذكرت الحقيقة ستصبح ناقما كارها نافرا عنيفا.. وتلصق بك كل الصفات الشريرة. أما إذا انضممت إلى جوقة المنافقين وأغدقت على “المرحوم” من الصفات ما لا يملك منها شيئا سوى أنه كان يتودّد إلى الجميع بابتسامته الخبيثة، يرحب بهم في مكتبه، لكي يحصل منهم على ما يريد من معلومات، فسيعتبرونك شخصا مخلصا جميلا يمكن أن تشاركهم جلسات النميمة!

صاحبك هذا كان بتودّده الزائف ونفاقه للصحافيين بوجه خاص وحرصه على الإغداق عليهم، يريد أن يصنع لنفسه جوقة من المطبّلين والمنشدين والمصفّقين، يستخدمهم وقت اللزوم ضد خصومه، في حين أنه عندما يقابل خصومه يبتسم ابتسامته الخبيثة المصطنعة، ويبادرهم بالسلام والتحية كما لو كانوا من أعزّ أصدقائه.

وهو بحكم منصبه الوظيفي، يملك القدرة على تقريب هذا واستبعاده ذاك، يغدق على البعض بكرم وسخاء طالما يرتضون أن يصبحوا تابعين له، وربما يجد منهم من يعاونه في كتابة تقاريره والوشاية بمن يجب الوشاية به، لأنه “خطر” على المؤسسة حسب تصنيفات الأجهزة التي تعمل في خدمة منظومة تخلّت حتى عن سياسة العصا والجزرة، بعد أن أصبحت تلوح وتضرب فقط بالعصا الغليظة.

نموذج هذا المثقف ظهر كنتيجة طبيعية لغياب الحريات وانتهاك القانون وسياسة تشغيل الموالين وتفضيل أهل الثقة على أهل الخبرة، لكن لا شك أن سببا أساسيا من أسباب ظهوره وبقائه، يرجع أيضا إلى تقاعس النخبة المثقفة عن القيام بدورها في رفض التعامل مع هؤلاء والانبطاح أمامهم، بعد أن ارتضى الكثير من عناصرها التطوّع في خدمة “الأجهزة” بهدف الترقّي، فالمثقف يسقط عندما يبدأ سعيه المحموم نحو المنصب، والسلطة لن تسمح له سوى بهامش محدود يعمل من خلاله في خدمتها وطبقا لشروطها، ولكن طموحه أيضا لا يتجاوز أكثر من ذلك، فهو أمام أتباعه أسد جسور، وأمام رؤسائه تابع ذليل.

والمثقف يسقط عندما يتخلّى عن مهمته الرئيسية، في كشف الحقيقة والدفاع عن الحرية في كل العصور، مهما كان الثمن الذي يمكن أن يدفعه.

16