عندما يقف المثقف على الحياد سيكون الضحية الأولى

الكاتب البحريني أحمد المؤذن هو واحد من الأدباء الذين انفتحوا على العديد من الاشتغالات في القصة والرواية والشعر، فقد شكل مع مجموعة من مجايليه شكلا من أشكال المدارس الأدبية التي نشأت في البحرين في ظروف اجتماعية وسياسية مختلفة. “العرب” توقفت معه في حوار حول تجربته وحول بعض القضايا الثقافية الأخرى.
الثلاثاء 2018/02/06
للسرد قدرة ساحرة على شفاء النفس

أصدر الكاتب البحريني أحمد المؤذن العديد من المؤلفات القصصية والروائية والأدبية خلال تجربته التي دشّن باكورتها في 2003 عبر مجموعته القصصية “أنثى لا تحب المطر”، ثم تلتها مجاميع عديدة نذكر منها “غابات الأسمنت” و”رجل للبيع” و”الركض في شهوة النار”. كما أصدر رواية “وقت للخراب القادم” في 2009، شكّلت مناخاتها السردية أزمة لبعض وزارات الإعلام في الخليج، بالإضافة إلى دراسة بعنوان “شهية السرد الخليجي” في 2016. ويعمل حاليا على عدة مشاريع روائية وقصصية وشعرية سترى النور قريبا.

تحييد الثقافة

يشتغل ضيفنا المؤذن على السرد منذ زمن طويل، هذه التجربة كانت رافعة لتجارب أخرى في مضمار القصة والرواية. فهو مؤمن بأن للسرد قدرة ساحرة على شفاء النفس وامتصاص الضغط مع استيعاب التحديات التي تواجهه في العالم الخارجي. يقول “كمثقف، أعترف أنني أورط بعض شخصياتي السردية بهواجسي ومخاوفي، إلى الحد الذي أنحاز فيه لقيم العدالة والخير والحرية كعناوين كونية كبرى، الأمر الذي دفعني إلى خوض مضمار الرواية كونها من حيث الشكل والمضمون قادرة على ضم كل هذه التوليفة الملونة التي تحمل هم المثقف من تساؤلات حياتية شاملة، لكني مع ذلك أهرب إلى كتابة النص المفتوح فتتلقفه المجلات وتصنفه كـشعر، أشعر مع نشره أنني متوازن وقادر على التصالح مع ذاتي في عالم صعب ومجنون”.

في عام 2010 أدرجت وزارة التربية والتعليم البحرينية قصة “الدكان” من مجموعة “أنثى لا تحب المطر” ضمن منهج “كتاب اللغة العربية – الأدب البحريني” ليتم تدريسها للمرحلة الثانوية. وقد قدّر المتابعون هذه الخطوة الوزارية، عادين إياها بأنها تأتي في الاتجاه الصحيح، لكن رأيا آخر شغل المشهد الثقافي حينها كان يرى أن القصص المختارة من الوزارة عادة ما تكون نماذجَ للأدب المتصالح مع الخطاب الرسمي، لهذا رأوا أنها لا يمكن التعويل عليها.

وفي تعليق المؤذن على هذا الأمر يقول “تحديد هوية الجبهة التي تقاتل خلف متاريسها وأنت تكتب هو ما يضعنا أمام هذه التقسيمات التقليدية في الخطاب الثقافي العربي، كأن نسأل بقلق: أنت مثقف تلبس عباءة السلطة أم ملتحم بقضايا الشعب؟ لا أميل للتنظير المثالي فيما يجب على المثقف أن يتبنى من أفكار وقناعات ومع أي طرف سوف ‘يتمترس‘، في نهاية المطاف معيارية التصنيف هذه كثيرا ما أكره إفرازاتها وأقلق منها حينما تبدأ بتخريب سلامي الداخلي، لا يعنيني كيف سيُصنف طعم السرد الذي أقدمه للمتلقي، ‘متصالح أم ضد‘. أتمثل بداخلي أديبنا الراحل نجيب محفوظ، وهو ينحاز لرجل الشارع والإنسان البسيط، فهمي أن تصل رسالتي وأكسب محبة الناس”.

هذا الحديث قادنا إلى ما أحدثته ذاكرة 14 فبراير من شق كبير بين المثقفين البحرينيين باختلاف انتماءاتهم. تساءلنا مع كاتبنا المؤذن عن إمكانية الخروج من هذه الذاكرة بحيث يعود المثقفون، وتعود المؤسسات الحكومية والأهلية على تناغم كما كان قبل 2011.

يجيبنا “ما مرت به البحرين مثّل مخاضا صعبا علينا كمثقفين بالخصوص، المرء يستطيع أن يغير مكان سكنه إذا ما عاش فيه ذكريات سيئة وحزينة، أو حتى يغير السيارة التي يركبها، ولكن كيف لنا أن نفعل هذا مع كيان أكبر منا وهو ‘الوطن’؟، ليس ثمة مخرج في الوقت الراهن على اعتبار أن منطقتنا تشهد استقطابات سياسية ومذهبية مغلفة بصراعات شتى بلا شك تسلب منا روح التناغم، نحن لا نستطيع الهرب من مأزق الذاكرة أو الخروج من دائرة جروحها الغائرة لكن بوسعنا التعويل على لغة الحب، عندها فقط سنتمكن من تبريد الاحتقان الحاصل وتقوية اللحمة الإنسانية في ما بين المثقفين وسواهم”.

ويضيف في ذات السياق معلقا على إمكانية تحييد الثقافي عن السياسي “وسط عالم سريع ولاهث في تقلبات أحداثه وتشابكها المعقد، من الصعب تحييد الأمور عن بعضها، صامويل هانتغتون كمثقف عالمي حينما طرح نظريته الشهيرة حول صراع الحضارات، لم يكن الرجل يجدف في الظلام، الكثير من صراعات منطقة الشرق الأوسط تكمن خلفها مشكلة ثقافية عميقة الغور، إما أن تربط بالطائفية وإما يتم ربطها بأجندات خارجية ذات مرجعية ثقافية معينة، هذا بالضبط ما يعقد أي حلول مقدمة بغية استقرار منطقتنا ويجعل من أزماتنا الداخلية مصدر استثمار سياسي مربح للدول الكبرى”.

لا وجود لمعيارية تقييمية تفرز الغث من السمين، لذلك بعض هذه الأقلام تظهر بالساحة فتلمع سريعا وتنطفئ

ويتابع “عملية تحييد ما هو ثقافي عن السياسي تضع المثقف العربي أمام خيارات صعبة ومصيرية تمس حياته وحريته وكرامته ووجوده. شاعر لبنان المعروف خليل حاوي، هناك من رجح سبب انتحاره غداة الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، بسبب هول الصدمة التي ضربت انتماءه القومي العروبي وكيف كان الوطن العربي بقياداته السياسية يتفرج على المأساة. ربما ينجح المثقف العربي في الإمساك بالعصا من النصف في ما يتعلق بهذه الإشكالية ولكن المثقف

عندما يقف على الحياد، فهو أول من يُضحى به في ذروة الصراعات والثورات، لكون الجماهير تسيطر عليها ثقافة (مع/ ضد) لا تتعاطى مع الحياد وتعتبره منطقة ضبابية مبهمة”.

الساحة بخير

في حديثنا عن أسرة الأدباء والكتاب في البحرين التي يشغل أحمد المؤذن عضوية فيها، يؤكد على أنه يجب على الأسرة أن تعيد تشكيل وإصلاح بيتها من الداخل، وذلك بتجاوز أحداث 14 فبراير 2011، برد الاعتبار لكل هؤلاء المثقفين الذين وجدوا أنفسهم في أتون الحدث وتضرروا بشكل أو بآخر.

ويقول “أجد أن عودة النشاط الثقافي لأروقة الأسرة هي بمثابة عودة الروح للجسـد، فقط يبقى على أي إدارة قادمة للأسرة توخي الحذر لجهة تحييد ما أمكن من مواقف سياسية أو سواها حتى لا تتورط الأسرة في تبعات أي اصطدام مع جهة سياسية أو رسمية مستقبلا”.

يرى المؤذن أن المشهد السردي البحريني يزدهر للأفضل، وطاقات شابة تؤثر بنتاجها في الساحة، ويمثل على ذلك بعبدالعزيز الموسوي وخديجة هارون وأيمن جعفر وحسين عبد علي والراحلة مها المسجن وحسن بوحسن وفتحية ناصر، ويرى أن هذه الأسماء الشبابية تركت بصماتها رغم أن بعضها لم تصدر باكورته القصصية بعد، لكن حضورها الدوري في صفحات الجرائد يتسم بحداثة الأسلوب ضمن سياق تيار جديد في الكتابة بدأت ملامحه تتشكل.

ويقول مختتما الحوار “مشهدنا السردي صار في عجلة من أمره، فأي موهبة قصصية تجدها تتوق إلى السرعة في كل شيء، حيث تطغى على المرء سرعة إيقاع الحياة فيريد حرق المراحل، و‘السوشيال ميديا‘ صارت توفر للفرد منصات ترويج إعلامية ذات طابع استهلاكي سريع، كما أن دور النشر التجارية تضخ في السوق كل ما هب ودب، لا توجد ها هنا معيارية تقييمية تفرز الغث من السمين، لذلك بعض هذه الأقلام تظهر بالساحة فتلمع سريعا وتنطفئ بذات السرعة تماما كضوء الكاميرا، حيث لا مشروع حقيقيا لديها وتستعجل الشهرة بلا رؤية ثقافية تتكئ عليها في مسيرتها، لكن عموم الساحة السردية بخير وفي نمو وتطور إيجابي للأفضل”.

15