عندما يكتب الشاعر بالعامية يصل سريعاً إلى القارئ

الشاعر علي عبدالله خليفة يؤكد أن البحرين كانت على المستوى الخليجي سبّاقة في الحركة الثقافية نتيجة الحيوية التي شهدتها من خلال نخبها.
الاثنين 2019/07/15
حفظت القرآن فصار لدي جناحان

اللغة وسيلة الشعر، حيث لا يتوقف الشعر عند كونه لغة، بل هو أوسع من ذلك، هو قضية بالأساس كأي فن من الفنون الأخرى. لذا فإن التعامل مع الشعر بتمييز بين اللغات أو اللهجات هو تعامل قاصر وسطحي. “العرب” التقت الشاعر البحريني علي عبدالله خليفة، الذي عرف بكتابته بالعامية والفصحى، وكان لنا معه هذا الحوار على هامش مشاركته في منتدى أصيلة الثقافي الدولي في موسمه الـ41 بالمغرب.

يعتبر الشاعر البحريني علي عبدالله خليفة من مؤسسي حركة الشعر البحريني الحديث إلى جانب تجارب أدبية وشعرية مهمة منذ مطلع الستينات، كما أن له اهتماما بالثقافة الشعبية وبحوثا كثيرة في مجال التراث الشعبي منشورة في مجلات متخصصة، وقد تمت ترجمة مختارات من شعره إلى الإنكليزية والفرنسية والفارسية والإيطالية والرومانية والروسية والبرتغالية.

الشعر والقضية

في حديثه لـ“العرب”، يؤكد الشاعر البحريني علي عبدالله خليفة، أن أول سمة من سمات الحركة الأدبية والثقافية بالبحرين أنها نشطة ومواكبة للحركة الثقافية العربية، سواء على مستوى الثقافة بشكل عام أو الحركة الأدبية والفنية والتشكيلية، مواكبة أعطت البحرين فرصة لتكون منذ أوائل عصر النهضة العربية على صلة بكل الأنشطة والمدارس الفنية والأحداث الفكرية والأدبية التي تحدث في الوطن العربي.

ويلفت الشاعر إلى أنه دائما ما كان هناك نخبة مثقفة في البحرين على تواصل مع أقطاب الثقافة العربية وتواصل مع المجلات الفكرية والأدبية ما أعطى للحركة الأدبية البحرينية حيوية وأعطاها نفس الزخم الموجود في الحركة الأدبية وما يحدث على الساحة العربية بشكل عام، وهي مواكبة خلقت نوعا من الحيوية في النشاط الفكري البحريني أضف إلى ذلك أنها خلقت جمهورا متفاعلا ومتعطشا لتلقي النتاج الأدبي سواء كان شعرا أو قصة قصيرة أو رواية أو مسرحا أو فنا تشكيليا أو موسيقى.

ويضيف خليفة “ظلت هذه الحيوية الأدبية والثقافية في البحرين حية ومتجددة باستمرار، وخاصة عبر الكثير من الطلبة البحرينيين الذين درسوا في بيروت والقاهرة، ويرجع هذا الانفتاح إلى طبيعة الشخصية البحرينية كون البحرينيين ككل أبناء الجزر يمتلكون خاصية الانفتاح على العالم، كما ساهمت الجهات الرسمية بالبحرين في هذه الحركة بإرسال وفود الدارسين للتعلم في الجامعات العربية”.

قصائد تتلبس لباسها وتختار لغتها وتعابيرها
قصائد تتلبس لباسها وتختار لغتها

ويتابع الشاعر “أما على المستوى الخليجي فقد كانت البحرين سبّاقة في الحركة الثقافية نتيجة الحيوية التي تحدثنا عنها، لكن هناك حركة ثقافية نشطة بالسعودية ودولة الإمارات وعمان والكويت، حيث هناك تواجد مهم للعديد من الشعراء والفنانين. والمميز هو التواصل الدائم بين الفعاليات الثقافية في هذه الدول فرديا أو مؤسساتيا، وبالنسبة إلى المطبوعات الثقافية والفكرية فالكويت سباقة لأنها اهتمت منذ بداية تأسيسها بالمجال الثقافي نظرا إلى توفر الإمكانيات المادية، وللكويت دور كبير وريادي ليس فقط في الحركة الأدبية المحلية وإنما في دعم الحركات الثقافية داخل دول الخليج وفي دول عربية متعددة”.

الشاعر بالنسبة عبدالله خليفة، لا يخطط في البداية لكتابة القصيدة، يقول “في كتابتي حاولت أن أعبر عن ذاتي ومحيطي وبيئتي، ولهذا كان أول دواويني ‘أنين الصواري’، عبارة عن معاناة غواصي اللؤلؤ وهي مهنة الأجداد، فأنا ابن غواص. لذلك عبّرت بشكل عفوي عن الاستلاب الذي يعيشه أصحاب هذه المهنة ووجود الإقطاع البحري والذي يعد أقسى من الإقطاع الزراعي. وجاءت فكرة الكتابة من المعاناة الذاتية التي عايشتها وشاهدتها، لذلك كتبت كنوع من التنبيه للخفايا”.

وعلى هذا النهج استمر الشاعر في نتاجه الشعري للتعبير عن بيئة البحرين، محولا إياها إلى رموز شعرية خاصة. ويعتبر خليفة أن الشعر مازال له سحره الخاص، فما دام هناك قلب ينبض يظل الشعر موجودا لأن هناك سلكا ساخنا متوهجا وممدودا بين الشعر والقلب النابض بالحياة، والدق على هذا النبض ضروري. وهو كشاعر ومثقف يدافع بقوة عن الفن، دون أن ينكر وجود دخلاء وأدعياء كثيرين في الساحة الشعرية.

ويتفق خليفة مع من يقول بندرة الشعر والشعراء وبأن الشعر موهبة إلهية ولا يمكن لمدع أن يقول شعرا، ولا تكفي الموهبة فجوهرة الشعر تتطلب الصيانة والعناية والصقل إضافة إلى وضعها في المكان الصحيح اللائق بها، لأن الشعر يصير قضية، فالشعر فن راق علينا احترامه ووضعه في مكانه الصحيح وألا نستخدمه للتكسب أو اللهو.

ولهذا يقر خليفة بأنه لا يجب تحميل الشاعر فوق طاقته فهو بشر، فإذا كان في مجتمع أمّي فماذا عليه فعله فليس هو المسؤول الوحيد عن ذلك، فالشاعر لا يمكن أن يكون مدرّسا.

العامية والفصحى

يقول علي عبدالله خليفة “إذا كان هناك مجتمع لا يقدر الشعر فعليك أن تجد أسلوبا للتواصل معه، أنا كتبت بالعامية لان هذه الواسطة تصل بسرعة إلى القارئ لكنني لم أركز عليها، فأنا اكتب بالفصحى والعامية وأصدرت العديد من الدواوين بالعامية والفصحى لأنني أردت مخاطبة قطاعات مختلفة من المجتمع، وقد اخترت الكتابة بالعامية من خلال فن الموال الذي هو أغنية البحارة في البحرين ولها مكانة عظيمة لدى الناس تتصل بتراثهم”.

ويتابع الشاعر “لا يوجد تناقض عند اشتغالي على نصوص بالفصحى وبالعامية، لأنني لقنت العامية وأنا طفل في أغاني المهد، وترسخت تماما في ذاكرتي ووجداني ونشأت في بيئة بحرينية من عمال البحر يرددون الأشعار يوميا بالعامية ويتداولونها بسلاسة، لذلك تشبعت بتلك الروح الموجودة في النص الشعري العامي وهي نصوص هامة، ودخلت الكتاب في عمر 6 سنوات وحفظت القرآن وهو ما خلق لدي جناحين”.

من الخطأ تحميل الشاعر فوق طاقته فهو بشر فإذا كان في مجتمع أمّي ليس بإمكانه فعل الكثير

يقر خليفة أنه استغل الغنى المشترك بين العامية والفصحى بشكل كبير لإثراء موهبته الشعرية والتعبير عن قضايا مختلفة. لم يكن يخطط للكتابة بالعامية وإنما حدث الأمر بشكل عفوي. ويذكر أنه حين أصدر ديوانه الأول هنّأه الكثير من البسطاء والعمال في الحي، لكنهم قالوا إنهم لا يعرفون ماذا يريد قوله، وهذا كان دافعه للكتابة بالعامية، وفي نفس الوقت كان محزنا كون الذين كتب عنهم لم يصلهم ما أراد التعبير عنه.

يقول الشاعر “لا أعلم متى أكتب بالعامية أو الفصحى، فالقصيدة لوحدها تتلبس لباسها وتختار لغتها وتعابيرها، وأنا أجد نفسي في اللونين ولا أشعر بأي تناقض، وأحس بأن القصيدة عندما تأتي بالعامية لذيذة وحلوة وكذلك إذا أتت بالفصحى، لكن في اللغة الفصحى المجال أوسع للتعبير وأرحب، فالمفردات كثيرة. وأحب إلقاء الشعر مستعملا أيضا لغة الجسد باعتبارها وسيلة مهمة جدا في إيصال المعنى، فعندما أكتب قصيدتي بالعامية أو الفصحى أجد أنني عبرت عما أريده وعن تجربة شعورية.

ويذكر خليفة أن أشعاره تم اختيارها ككلمات أغان لكنه لم يكتب أغنية، ويضيف “عندما يُعجَبُ المغني والملحن بقصيدة ويطلب إذني لغنائها فلا أجد أي مانع. لهذا تم اختيار بعض القصائد للغناء، رغم أنه طلب مني كتابة أغاني مسلسلات تلفزيونية ولم أوافق على ذلك، وكمثال فقد أخذ خالد الشيخ أبيات من إحدى قصائدي وقام بغنائها”.

15