عندما يكون الربح كالخسارة

الربح والخسارة أمران واردان في حياة جميع البشر، ولكن معظمنا يحب الربح، ولا يتقبل الخسارة، لأننا لا نتعلم منذ الصغر كيف ننظر للخسارة من منظور أوسع.
الجمعة 2019/08/02
الإشادة بإنجازات الأطفال يجب ألا توصلهم للغرور

بعض مقابلات كرة القدم تنتهي بعنف مادي ولفظي وسلوكيات همجية بغيضة، تسيل بسببها الدماء وتدمر الممتلكات العامة بفعل الجمهور المتعصب والمتحمس، وكذلك بدافع الخسارة، التي لا يجد لها الكثيرون مكانا في نفوسهم وفي عقولهم ليضيفوها إلى مجموعة الأشياء المقبولة لديهم.

البحث الدائم عن الجانب المشرق من الحياة والنظر دائما إلى نصف الكأس الملآن يغرقنا في التفاؤل إلى حد مفرط، ويجعلنا ننظر لكل شيء من حولنا من خلال نظارة وردية، في حين أنه يجب علينا التسليم في بعض الأحيان بأن بعض الأحداث قد تكون خارجة عن سيطرتنا. وبغض النظر عن مدى ضيقنا أو إحباطنا، فيجب ألا نهدر طاقتنا في التأسف لما حدث أو نلقي باللوم على غيرنا ونتخذ ضدهم مواقف عدائية، بل الأجدى أن نتعامل مع الأمور ببساطة ورحابة صدر، ونتغاضى عن الأحداث التي يستحيل تغييرها.

يقول الدكتور نيل غاريت، وهو عالم نفس في كلية لندن الجامعية، إن “البشر أفضل في دمج المعلومات المرغوب فيها في معتقداتهم، مقارنة بغير المرغوب فيها. ويشكل هذا الأمر لغزا تطوريا، حيث يمكن أن يؤدي إلى التقليل من المخاطر، وبالتالي الفشل في اتخاذ إجراء احترازي”.

من المفروض أن تجري جميع المنافسات الشريفة على اختلاف أنواعها ومجالاتها في أجواء ودية، لكن من الواضح أن “العداء” هو الذي أصبح مسيطرا على معظم التظاهرات، وقد يتحول الأمر في غالب الأحيان إلى مسألة تصفية حسابات شخصية.

الربح والخسارة أمران واردان في حياة جميع البشر، ولكن معظمنا يحب الربح، ولا يتقبل الخسارة، لأننا لا نتعلم منذ الصغر كيف ننظر للخسارة من منظور أوسع.

الخسارة ليست دائما بالأمر السيء، بل يفيد النظر إليها بالشكل الصحيح كثيرا في تحقيق أعلى درجات الإبداع والنجاح، وهي دافع أكبر للإيمان بثنائية الحياة وتأرجحها بين المشرق والمظلم، وكل ذلك يلقي بثقله باتجاه الصلاح في حياتنا اليومية.

لكن المشكلة، تكمن في أن الكثيرين لديهم قناعة مسبقة بمحور الكون وأنهم الأفضل والأجدر والأهم، أما الطرف الآخر فيجب إلغاؤه وإقصاؤه، وعادة ما يتخذ البعض لأنفسهم موقعا متعاليا في أذهانهم، ويغرقون أنفسهم فيه، بحيث تنتهي معظم مواجهتهم مع الغير بتحد وعراك.

يقول جون أوبراين، رئيس الجمعية الكاثوليكية في العاصمة الأميركية واشنطن إن طريقة معاملة الآخرين عند الفوز عليهم، موضوع في غاية الأهمية، مشددا على أن القدرة على الاستيعاب لا تعني احتواء فقط من يشبهوننا في الآراء، بل استيعاب من يخالفوننا في الرأي أيضا.

 ويضيف أوبراين “هذا يعني إدراكنا أننا نعيش في نفس الشارع، وأن هناك مكانا فيه لكل الأشخاص ولكل الأفكار”.

من المفروض أن تجري جميع المنافسات الشريفة على اختلاف أنواعها ومجالاتها في أجواء ودية، لكن من الواضح أن “العداء” هو الذي أصبح مسيطرا على معظم التظاهرات، وقد يتحول الأمر في غالب الأحيان إلى مسألة تصفية حسابات شخصية.

والسبب الانشغال المفرط بالذات، وهو أحد انعكاسات تغير الاتجاهات الفكرية للمجتمعات العصرية، ولاسيما في العقود القليلة الأخيرة، إذ أصبح معظم الآباء والأسر والمجتمعات ككل منكبين على ذواتهم ولا يهتمون بواجباتهم حيال الآخرين، بقدر ما يهتمون بإنجازاتهم ومصالحهم الشخصية، ما انجر عنه الكثير من المشكلات التي تواجهها المجتمعات الحالية، من الإدمان إلى العنف.

وبالنظر إلى هذه السلوكيات، ليس من الغريب أن يتعلم الأطفال النظر لأنفسهم على أنهم محور الاهتمام، ويلتمسون دوما عبارات الثناء والإعجاب من الآخرين، حتى عندما يرتكبون أخطاء فادحة أو يقومون بتصرفات مؤذية لغيرهم.

ليس من الخطأ الإشادة بالأطفال وبإنجازاتهم ومدحهم والقول لهم إن بإمكانهم تحقيق المستحيل، من أجل تقوية مشاعر الثقة بالنفس بداخلهم، ولكن يجب تنبيهم ووضع حد لتصرفاتهم التي تنم عن الغرور والعجرفة وتفاؤلهم المبالغ فيه بأن كل ما يفعلونه أو يقولونه هو عين الصواب وأن لا أحد يضاهيهم.

بالنسبة لبعض الأطفال يمثل رد فعل آبائهم تجاه خسارة فريقهم المفضل لإحدى مباريات كرة القدم، بمثابة الاحتكاك الأول الذي يُكوّن نظرتهم للمنافسة وكيفية التعامل مع الآخرين في حال الخسارة، خصوصا في مراحل عمرهم الأولى، التي يتسمون فيها بأنهم شديدو الحساسية والتأثر بما حولهم.

يمكن للآباء الذين يعاملون غيرهم بإنصاف وشفافية أن يساهموا في تقليل مشاعر التناحر لدى أبنائهم عندما يكبرون، وبهذا الشكل،لن  يجد أبناؤهم صعوبة كبيرة في تقبل الخسارة وسيركزون بصورة أكبر على إنجاز مهماتهم على أكمل وجه بدلا من دحر الآخرين ومحاولة النيل منهم بشتى الطرق من أجل إثبات أنهم الأفضل.

تقبل الخسارة يُظهر نضجا وشجاعة حقيقة، وهي فرصة مهمة لتطوير النفس والنظر، وتعليم الأطفال من حولنا عدم الاستياء عندما لا يحالفهم الحظ في الربح، ما يساعدهم على أن يكونوا أكثر سعادة وأقل توترا وعنفا على المدى البعيد.

21