عندما يكون المرض عاملا مساعدا على الإبداع

هناك أدباء ومفكرون ومثقفون تقاطعوا مع أمراضهم وتعايشوا معها على أنها تحصيل حاصل فكانت سبيلهم لنيل الشهرة والنبوغ والعالمية في كثير من الأحيان.
الخميس 2019/08/15
كافكا وتوماس مان ممن حفزهم المرض على الإبداع

قد يكون المرض الاستثنائي أحد أسباب الموت ولكنه ربما ليس هو الموت بعينه. لكنه تجربة مريرة وقاسية على الإنسان تضعه على محك الحياة وفي موضع لا يُحسد عليه. غير أن التجربة في فضائها الواسع أثبتت أن المرض العضوي أو النفسي أو الولّادي – القدري قد يكون أحد الدوافع لتخطي عتبة النكوص والاستسلام ، وصولا إلى مديات أرحب نحو جماليات الخلق والإبداع في إشراقات الكتابة وتقنية اللون وحس الموسيقى والابتكارات الفريدة والتصنيع والتنظير العلمي واستشراف الجماليات المتعددة في الحياة.

 ولدينا وافرُ الأمثلة من العباقرة والمبدعين والفنانين ونجوم السينما الذين شلّ قواهم المرض وأعاقهم من التواصل الطبيعي في الحياة، لكن الكثيرين منهم تطاولوا عليه أوتعايشوا معه، وآخرون انبثقت فيهم قوى داخلية وسرية للخلق الجمالي الهائل نحو الإبداع، لهذا فإن أمراضا قاتلة كالسرطان والسل الرئوي والصرع والحالات النفسية المعقدة والإدمان على المخدرات دفعت البعض إلى الخلق والتماهي والنزوع إلى التجديد، تعويضا عن الفقدان الجزئي أو الكلي، وأنّ أقدارا ولّادية أو لاحقة لم تثنِ مبدعين عن العطاء والتخليق الفني، كما عند طه حسين وبورخس اللذين أصيبا بالعمى. وهما علمان كبيران في الثقافة الإنسانية العربية والعالمية. لكنّ بدر شاكر السياب رائد الشعر الحر مات في مقتبل العمر مصابا بمرض السل وهو في ذروة عطائه التجديدي في القصيدة العربية.

كافكا كان عالما لا يستهان بقدرته على تحريك الحياة سرديا
كافكا كان عالما لا يستهان بقدرته على تحريك الحياة سرديا

أدباء وعلماء وفنانون وسياسيون ورؤساء وعباقرة تاريخيون تقاطعوا مع أمراضهم وتعايشوا معها على أنها تحصيل حاصل، مع اضطراب سلوكياتهم وطرائقهم المختلفة في الحياة وعلاقاتهم مع الآخرين، فهناك أمراض نفسية معقدة وأخرى عضوية فادحة. وفي الحالتين كانت هذه الأمراض سبيلا للشهرة والنبوغ والعالمية في كثير من الأحيان. فديستويفسكي المصاب بالصرع لكنه انتفض على صرعه وكتب سرديات أوصلته إلى ذروة الإبداع العالمي، وفلوبير صاحب الرواية الأشهر مدام بوفاري المصروع في حياته الشخصية والمعقد إلى درجة تثير التحفظ منه.

وبتتبع حياة مثل هؤلاء العباقرة الأفذاذ مع ملاحظة مستويات الأمراض التي يعانون منها سنجد أن أمراضهم لا تعيق الأداء الإبداعي في الكتابة والموسيقى والرسم والصناعة والاكتشافات والسياسة والسلطة، لكن هستيريا البعض تؤدي إلى انفصام شخصي مرعب من الصعب فهمه، كما عند إرنست همنغواي المدمن على تعاطي المخدرات والكحوليات بسبب حالات الاكتئاب الحادة التي كانت تلازمه. فانتحر برصاصة من بندقيته في لحظة غريبة من حياته الحافلة بالعطاءات الروائية، ويلحق به تينيسي ويليامز مدمن المخدرات والكحوليات، لكن هذا انتهى به الأمر إلى الجنون. ولم يختلف عنه جيرار ترفال بالنهاية المؤلمة ذاتها.

مستويات الإبداع عند هؤلاء الأكابر إبداعيا ستبدو كما لو أنها على نسق جمالي موحّد. صاغها الزمن المتعاقب بين الأجيال التي كانوا يمثلونها، وتمثلتها ظروف متعددة أدت إلى أمراض سريرية وأخرى عصبية وغيرها اضطراب التوحد وما على شاكلته من أمراض العصر القديم والجديد.

ولو طالعنا إشكالية الموسيقار العالمي بيتهوفن لوجدنا معاناته الأولى تتلخص باضطهاد والده الشرس له حتى فقد سمعه وأصيب بالصمم، لكنه حوّل هذا “النقص” إلى تخليق إبداعي كبير بالسمفونيات الخالدة المعروفة التي كان يؤلفها ولا يسمعها، فانتصر على هذه العقدة النفسية وتصدر الخلود بطريقة بارعة وعادل ذلك الاضطهاد الأبوي بعبقريته الموسيقية، غير أنّ أدغار آلان بو صاحب الكتابات الكابوسية كان يعاني من الكآبة والجنون وزادت كمية الكآبة عنده عندما توفيت حبيبته. فكانت سببا محتملا في ارتفاع نسبة العصبية في داخله، تلك العصبية أنتجت سرديات مهمة في القصة القصيرة على وجه الخصوص.

كافكا وتوماس مان أصيبا بمرض السل الرئوي. وكانا في حالات كثيرة يترجمان هذه الإصابة بالكتابة وتجلياتها الكثيرة، فكانا علمين لا يستهان بقدرتهما على تحريك الحياة سرديا. ونيتشه وموباسان كانا يعانيان من مرض الزهري لكن المرض حرّك فيهما روح الكتابة إلى استثناءات سردية فلسفية وروائية في غاية الدقة والاتقان.

الوسواس والشرود والتحدث مع آخرين لا وجود لهم في الواقع من صفات مرض التوحد الذي أصاب العالِم نيوتن مكتشف قانون الجاذبية، وهذا المرض عانى ويعاني منه الكثير من المبدعين العالميين مثل المخرج والمنتج الأميركي ستيفن ألان سبيلبرغ صاحب فيلم “الفك المفترس” وأينشتاين صاحب النظرية النسبية الذي كانوا يسمونه الأستاذ غائب العقل، على أن المعجزة الحسابية هو دانيال تامت الذي كان قادرا على أن يتحدث بإحدى عشرة لغة، ويجري العمليات الحسابية أسرع من الكومبيوتر متجاوزا حالة التوحد التي كان فيها ليكون أحد العباقرة في مجاله الرياضي. ولم يسلم من هذا المرض إمبراطور الكومبيوتر غيتس. ولا الرئيس الأميركي السادس عشر لنكولن وهو أشهر المرضى النفسيين في التاريخ الأميركي. ولن يتفوق عليه سوى تشارلز السادس ملك فرنسا المجنون الرسمي الذي نسي حتى اسمه. مثلما كان يرفض الاستحمام لأنه كان يتصور أن جسمه مصنوع من الزجاج!

في المحصلة ومع أمثلة كثيرة جدا لن يكون المرض عائقا للإبداع والتجلي المرهف لتخليق جماليات أدبية وفنية، وهو ما يؤيده التحليل النفسي الذي درس معظم هذه الحالات وأكد أن المرض الاستثنائي يمكن أن يكون دافعا أساسيا للخروج إلى مساحات أوسع في تجارب الكتابة والرسم والنحت والموسيقى.

14
مقالات ذات صلة