عندما يكون حب الكتب مرضا طفوليا

الإنفاق المالي اللامحدود على شراء الكتب تقف وراءه شخصيات متطرفة وأنانية كتبياً.
الخميس 2019/09/26
يجمعون الكتب ويرصفونها كالصناديق (لوحة للفنان محمد خياطة)

أعرف وتعرفون نمطاً من القرّاء المهووسين بجمع وشراء واقتناء الكتب الأدبية إلى الحد المَرَضي، حتى تتكدس الكتب فوق بعضها وتملأ الجوارير والخزانات بشكلٍ مبالغ فيه. وهذا النوع في أغلب الأحيان غير قارئ. بل هو نوع من الهواية الغريبة التي يلجأ أصحابها إلى متابعة أسواق الكتب وشراء كل جديد وقديم ونادر وحتى متكرر الطبعات.

يفسر النفسيون على أن هذا الولع منشؤه طفولي. ولا يضر صاحبه بل ينشّط فيه طاقة إيجابية للاطلاع والفضول والاستحواذ على المعرفة بشكل عشوائي. لذا نرى مثل هؤلاء ذوي طبيعة خاصة في معرفة الكتاب وسنة طباعته وعدد طبعاته ونوع الورق ورائحته ولديهم إحساس غريب بفكرته. كما أنّ لديهم استعداداً على الصرف المالي غير المحدود للشراء مهما كان الثمن لأي إصدار جديد أو مخطوطة نادرة أو مرجع قديم.

وحتى مع شيوع الإلكترونيات الثقافية والأقراص المدمجة وكتب الـ PDF المجانية.

ومع توفر المصادر الأدبية والعلمية والتاريخية والمعرفية والجمالية على نطاق واسع عبر شبكات السوشيال ميديا والمواقع المتعددة، إلا أن كثيراً من المهووسين بشراء الكتب الورقية إلى الحد المَرَضي ما يزالون يبحثون في أسواق الكتب عن الجديد والقديم منها.

وسنجد مثل هؤلاء الدائبين على الشراء والاقتناء يمثلون وجهاً من وجوه الجنون الكتبي الذي فسّره الطب النفسي على أنه وسواس قهري طفولي وقد يتحول إلى إجرام تحت تسمية “السرقة” التي يلجأ إليها هؤلاء لعدم القدرة على الشراء في كثير من الأحيان.

مثال ظريف في رواية “الكتب التي التهمت والدي” للبرتغالي أفونسو كروش، يسرد فيها سَريان ولع القراءة لدى بونفين وابنه الياس الذي يحكي قصة والده وهوسه بالكتب.

هذا الهوس يرثه عن والده ليعيش حياته مع أكداس الكتب حتى بلغ من العمر شوطاً طويلا وهو يبحث في الماضي والحاضر عبر الروايات تحديداً حتى استطاع أن يفسر هوس والده بهذا الجنون الكتبي عندما انتقلت إليه هذه العدوى.

معظم المهووسين بشراء الكتب هم من المجهولين والبسطاء ورغم ذلك يطلق على هذه الهواية اسم "مرض العباقرة"

كتبنا تملأ الأدراج والصناديق والكارتونات. تعلو مثل التلال يوماً بعد آخر. وكثير من الزوجات والأهالي يشكون من هذه الكثرة الكاثرة التي تأخذ مساحاتٍ غير قليلة من الغرف وصالات الاستقبال بالرفوف المتساوية وغير المتساوية وهي تشيع الفوضى وتلم الأتربة والعناكب والحشرات الصغيرة. ولهذا من الطبيعي جداً أن يهتم الأدباء والمثقفون بمكتباتهم وتغذيتها بكل ما هو جديد ومهم في شتى الأجناس الأدبية والعلمية.

 لكن ما يلفت الأنظار هو المجموعات الممسوسة بهوس الشراء على حساب غذائها وملابسها واحتياجاتها الشخصية والبيتية بشكل أكبر من طاقة القراءة نفسها، ومجنونو الكتب المجهولون الذين يقفزون على القراءة الموجهة إلى التكديس العشوائي، حتى لو لم يقرأوا.

فالقراءة تابعة لظروفها الشخصية لكن الاقتناء لا بد منه. وهذا ما يسمى علمياً بـالببلومانيا كوسواس قهري أو مرض طفولي يلجأ فيه هؤلاء إلى تجميع أعداد كبيرة من الكتب الأدبية والثقافية حتى من دون قراءة.

فتراهم مثل القطط في المكتبات والمعارض والأسواق المتخصصة في البيع والشراء. يلتقطون القديم والجديد بسعادة وحماسة بالغتين، حتى لو تكرر الأمر بشراء نفس العنوان لأكثر من طبعة تعبيراً عن وَلع غير محدود بحب الكتاب واقتنائه وتكديسه.

الأمر لا يخص الناس العاديين غير المعروفين فحسب. لكنه أيضاً يطال بعض المشاهير المصابين بهذا المرض الغريب، كالشاعر اليوناني يوربيدس الذي يُعد تاريخياً أول المهووسين بهذا المرض العبقري. يليه من العرب العالم ابن المُلقّن/ ابن النحوي/ وهو من علماء العرب الأوائل، جُنّ عندما فقد كتبه ومكتبته في ظروف غامضة، وما تذكره المصادر عن بعض المشاهير كالسير توماس فيليبس الذي اشترى واقتنى ما يعادل 160 ألف مخطوطة وكتاباً، وغيره من المشاهير المبتلين بهذه البلوى العظيمة.

وربما على هذا الأساس أطلق على هذا المرض اسم مرض العباقرة. وهي تسمية غير مكتملة برأينا. فمعظم المهووسين بهذه الهواية هم من المجهولين والبسطاء وليسوا من العباقرة والمشاهير الأدبيين والعلميين.

والأمثلة القليلة الواردة من يوربيدس وغيره لا تكفي لإطلاق هذه الصفة على أنها مرض العباقرة. إنه حالة من حالات الولع المفرط والمبالغ فيه، وهو وسواس قهري بالاستحواذ الإيجابي وليس مرضاً نفسياً كما يمكن للبعض أن يفسره. فحب الكتاب إلى هذه الدرجة الحساسة وربما الشاذة أمرٌ شخصي وليس عاماً.

مثل هذا الإنفاق المالي غير المحدود تقف وراءه شخصيات متطرفة وأنانية كتبياً. صعبة المراس على الأغلب الأعم في هذا الجانب. وتبدو متجهمة من الخارج، لكنها سعيدة من الداخل. وهي سعادة قديمة تتحقق مع المخطوطة النادرة والكتاب الجديد مهما كان عدد طبعاته.

يلتحق بهؤلاء المرضى الايجابيين أمناء المكتبات الذين يُعدّون قريبين من هذا التشخيص لارتباطهم اليومي بالورق والكتب والمؤلفات والمخطوطات، وقدرتهم المعروفة في حفظ أسماء المؤلفات وأمكنتها على الأرفف المزدحمة بالمؤلفات، بما يشكّل لديهم وسواساً قهرياً في المتابعة الحثيثة لعالَم الكتب ومصادره المتعددة.

14