عندما ينحاز المؤلف لشخصياته متجاوزا شروط الدراما

مؤلف مسلسل "نصيبي وقسمتك" قرّر بلا منطق فني أو درامي أن يعيد تقديم عمله في موسمه الثاني بصورة أقل فنّيا بشخصيات غير عميقة في بنائها الدرامي لم تستطع تكوين علاقات جيدة مع المشاهدين، إلاّ في استثناءات قليلة.
الخميس 2018/11/15
تفاوت في الطرح لهموم المرأة المصرية

يقع البعض من المؤلفين في خلط مريب عندما يظنون أن المشاهدين يتعلقون بالشخصيات التي رسموها على الورق وليست الشخصيات التي رأوها على الشاشة، لذا يقررون كتابة أجزاء من قصصهم مع استبدال أبطالها دون استشعار الحرج من متابعي الأجزاء الأولى وأبطالها، ويضيفون على شخصياتهم لمسات غير مجدية مما يجعل من الصعب تقبلها لأنها تحوّلت إلى كائنات مستنسخة.

القاهرة - بدا مسلسل “نصيبي وقسمتك” عند عرضه في موسمه الأول حالة جماهيرية لافتة، بعد أن تحولت شخصياته المرسومة المحبوكة على الورق إلى شخصيات درامية مقنعة، اندمج معها المشاهدون نتيجة حالة “اللاّتمثيل” التي قدمها نجوم العمل، خاصة هاني سلامة، الذي جاء تجسيده طبيعيا لدور الشاب، وكان يروي كل ثلاث حلقات قصته مع المرأة، وتمكن عبر 45 حلقة من غزل شخصياته بحرفية تليق بموهبته.

وكان الرجل ومشاكله مع المرأة محور أحداث الموسم الأول، وأراد الكاتب عمرو محمود ياسين (نجل الفنان محمود ياسين) أن تتحول المرأة إلى صاحبة حكايات الموسم الثاني، دون وجود بطلة واحدة، وقدم لكل حكاية تعرض في خمس حلقات بطلة مختلفة.

ومن هنا وقع المؤلف في خطأين دراميين، الأول: طول مدة كل حكاية، ما منح مساحات غير مقبولة من الإسهاب واختلاق أحداث وشخصيات بلا قيمة أو هدف درامي مؤثر، والثاني: تعدد دور البطولة النسائية، ما قلّل من ارتباط المشاهدين بالعمل، بل ومنحهم فرصة للهروب من متابعة بعض القصص.

مفردات مستهلكة

تتناول حكايات “نصيبي وقسمتك 2” مشاكل وهموم المرأة المصرية، وهو ما كان من الصعب العثور عليه بصورة مغايرة بين القصص التسع إلاّ قليلا، فتقديم المرأة المعيلة أو الخائنة أو العصبية أو الرومانسية أو المسترجلة، أنماط أُنهكت دراميا.

تبقى حكاية الفتاة التائبة (الفنانة حنان مطاوع) والتي كان عنوانها “604” نموذجا لاستنساخ بعض الحكايات من أعمال فنية قديمة بصورة فيها الكثير من الاستفزاز في التناول، حيث يشعر المشاهد أنه أمام نسخة باهتة من فيلم “المرأة التي غلبت الشيطان” للنجم عادل أدهم والفنانة نعمت مختار.

كانت الألفاظ المستخدمة في فيلم “المرأة التي غلبت الشيطان” أكثر واقعية واتساقا في حينه، ممّا قدمه المؤلف في مسلسل “نصيبي وقسمتك 2” من حوارات بين الأبطال التي أتت مفرداتها منتمية إلى حقبة الخمسينات من القرن الماضي.

الفنانة التونسية درة جاء أداؤها بلا روح في دور الفتاة المتفانية في حب والدتها وعمل الخير وتتصف بالتعقل في حكاية "حبيبة أمها"
الفنانة التونسية درة جاء أداؤها بلا روح في دور الفتاة المتفانية في حب والدتها وعمل الخير وتتصف بالتعقل في حكاية "حبيبة أمها"

أما التناول فلم يرصد المعركة بين الفتاة التائبة والشيطان بصورة منطقية، إذ شاهدنا فتاة تشفي المرضى والمكفوفين بالأذكار والرقية الشرعية، وهي رسائل درامية شديدة الخطورة في مجتمع تروّج فيه أفكار الدجل والشعوذة والتلاعب بالدين.

وتظل قصة “نظرة فابتسامة” أكثر الحكايات جذبا وإقناعا وقدرة على توصيل الخيانة الزوجية التي يدفع الزوج حياته ثمنا لها، لأن الشريك في الجريمة صديقه المقرب.

وظهر التناول الأغرب في حكاية “اهدي يا مدام” التي تناول المؤلف فيها مشكلة الحيض عند المرأة بصورة تفتقد للواقعية والعمق، لكن يبدو أن المسلسل يخاطب فئات بعينها، مشاكلها لا تمثل المرأة بكل همومها الحقيقية وحروبها من أجل حياة كريمة.

وكانت هناك قضايا فرعية حاول المؤلف تناولها، مثل الإرهاب وصلة الرحم والوحدة الوطنية والتلاعب بالدين، وكلها قضايا هامة، إلاّ أن المباشرة في طرحها أفقدتها الكثير من قيمتها الدرامية، كما أن سرد القصص على لسان البطلات منحها شكلا أقرب إلى اليوميات النسائية.

أصبح عمرو محمود ياسين، الذي كانت له العديد من التجارب كممثل، محبّا لإظهار موهبته في الكتابة في طرق درامية وعرة من الصعب الخروج منها دون خدش كبريائه كمؤلف في بداية طريقه.

وامتلك ياسين جرأة التصدي مع الشاعر أيمن بهجت قمر لتقديم جزء سادس وأخير من مسلسل “ليالي الحلمية”، الذي قدمه الراحل أسامة أنور عكاشة في خمسة أجزاء ناجحة، وقد عرض الجزء السادس ومثلت المقاطعة الجماهيرية شبه التامة له صفعة لكل من شارك فيه لأسباب يصعب فهمها إلاّ في إطارها التجاري، بعيدا عن أي منطق فني مقنع.

ثم عاد وكرّر نفس الخطيئة، لكن هذه المرة مع عمله الدرامي الذي نجح موسمه الأول، فقرّر بلا منطق فني أو درامي أن يعيد تقديمه بصورة أقل فنّيا بشخصيات غير عميقة في بنائها الدرامي لم تستطع تكوين علاقات جيدة مع المشاهدين، إلاّ في استثناءات قليلة.

ويبدو المؤلف برصيده القليل من الأعمال بحاجة ماسة للمزيد من الخبرة وكتابة الكثير من النصوص التي تحمل روحه وفكره ورؤيته والتي قد تفرز كاتبا جيدا.

ونجد كتيبة متنوعة الاتجاهات الفنية من المخرجين، منهم أحمد صالح ورامي رزق الله وأكرم فريد ومصطفى فكري، الذين قدموا الحكايات كلّ وفقا لتصوراته، فخرجت بالفعل منفصلة شكلا ومضمونا، تجلى ذلك في وجود اتفاق ضمني على ترك أبطال العمل يتحركون أمام الكاميرات دون توجيه للأداء الذي جاء منسجما مع موهبة كل منهم وحسب خبراته الشخصية.

تذبذب الأداء

أدى تعدد البطلات مع تنوّع المخرجين إلى حالة من التذبذب، فنجد اختيارات موفقة للغاية مثل شيري عادل، المجتهدة في دور الزوجة الخائنة، ونجلاء بدر المبدعة في دور الزوجة التي ترفض الحزن على زوجها المتوفي، اعتقادا منها بأنه خانها في حكاية “بحبك باستمرار” إلى أن تكتشف أنها ظلمته.

أما الفنانة بسمة، في دور الزوجة التي تكافح لاسترداد زوجها الذي تزوّج عليها في حكاية “أحمد يا عمر” فبدت كبيرة السن إلى جانب الفنان شريف رمزي الذي قام بدور زوجها، وجاء أداء الفنانة التونسية درة بلا روح  في دور الفتاة المتفانية في حب والدتها وعمل الخير وتتصف بالتعقّل، حيث ترفض الزواج من شخص شديد الثراء لعدم التكافؤ في حكاية “حبيبة أمها”.

وجاء أداء كل من حنان مطاوع في دور الفتاة التائبة وهنا شيحة في دور النصابة، مصطنعا بصورة تؤكد عدم تمكن المخرجين من السيطرة على أداء بطلاتهم، خاصة أنهنّ جميعهن نجمات كبيرات من حيث الموهبة والقدرات، لكن تركهنّ بلا توجيه يجعل المشاهد يشعر بأنهنّ يمثلن دون إتقان.

ولم يختلف الأمر كثيرا مع الممثلين الرجال الذين ظلموا بوضعهم في مقارنة مع هاني سلامة، ويبقى الفنان أحمد العوضي الاستثناء، وتمكن بفضل بطولته المتميزة وأدائه البسيط والتلقائي من أن يمثل اكتشافا ونقطة مضيئة ومبشّرة في العمل الذي يمكن أن يمثل خطوة هامة في طريقه الفني، إذا أحسن الاختيار في أعماله التالية.

ويحسب على المخرجين اختياراتهم غير الموفقة غالبا لممثلي الأدوار الثانوية الذين من المفترض أن قوة حضورهم الدرامي تعطي المزيد من الزخم للعمل، ويحسب لهم اختيارهم الموفق للنجوم المخضرمين الذين حملوا في الكثير من الحلقات عبء الإجادة والإتقان، منهم رشوان توفيق ونادية رشاد وأنعام سالوسة وعماد رشاد.

“نصيبي وقسمتك 2” عمل سحب من رصيد الثقة الفنية من قبل المشاهدين في معظم المشاركين فيه، وأكثر المتضررين هو مؤلفه الذي عليه الانحياز لشخصياته الدرامية من لحم ودم أكثر من شخصياته الورقية.

16