عندما ينقلب الاتحاد الأفريقي على مبادئه وأهدافه

الاثنين 2014/07/07

لم تمر عشر سنوات على ولادة الاتحاد الأفريقي عام 2001 على يد معمر القذافي، حتى نحرت أيادي الشعب الليبي عام 2011 صاحب الفكرة وداعمها وممولها. في مارس 2001، تم التوقيع رسميا على القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي بليبيا، وبعد انتهاء حكم القذافي عام 2011، وقبلها فشلت هيئة من قادة الدول الأفريقية في التوسط لإنهاء النزاع الليبي- الليبي.

رغم التسلط الذي مارسه العقيد وأبناؤه ضد شعبه الذي خرج ضد الاستبداد والظلم، وطلبا للحرية والكرامة. لم يكن الاتحاد الأفريقي صارما في رد فعله انسجاما مع مبادئه التي سطرها في قانونه الأساسي، «حق الاتحاد في التدخل في شؤون دولة عضو عند وقوع ظروف خطيرة مثل جرائم الحرب والإبادة الجماعية»، لتكون فكرة إنشاء اتحاد أفريقي بدل منظمة الوحدة الأفريقية، مجرد شكل آخر من الفشل الأفريقي في التعامل مع التطورات التي يعرفها العالم. لم تتبدل سوى التسمية دون اهتمام جاد بموضوعات الحقوق والتنمية والديمقراطية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام سيادة الدول.

نقرأ أن من أهداف الاتحاد «تحقيق وحدة وتضامن أكبر بين الشعوب والبُلدان الأفريقية»، لكن لم نجد شيئا من هذا يتحقق على أرض الواقع الأفريقي، بسبب سيطرة نظرة أحادية وقاصرة وغير استشرافية من قبل أنظمة استبدادية لم تكن في أجندتها على الدوام هموم ومستقبل الشعوب الأفريقية. والأمثلة لا تحصى ولا تعد في هذا الباب.

هذا ما أكدته القمة الثالثة والعشرون لرؤساء الدول والحكومات الأفريقية التي نظمت بمدينة مالابو عاصمة غينيا الاستوائية، بقرارها تعيين رئيس الموزمبيق الأسبق جواكين شيسانو ممثلا خاصا للاتحاد الأفريقي في الصحراء الغربية. قرار تنتفي فيه كل مقومات القانون والأعراف الدولية، ويعتبر تدخلا سافرا في شؤون دولة استقلت رسميا من هياكل هذا الاتحاد. إلى جانب أن المبعوث المزعوم تنتفي فيه كل صفات الحياد التي من الضروري توفرها في أي مبعوث يبحث عن حلول سلمية.

تبعا لمنطق المصلحة الذاتية التي ينتهجها الاتحاد الأفريقي لم تتقدم هياكله بمبادرة قوية وحقيقية لفرض الديمقراطية والحكامة الجيدة التي ينادي بها في الجزائر مثلا. فالاتحاد الأفريقي يتبنى مبادئ الحرية والديمقراطية والحكامة الرشيدة، لكنه أمام حكومات وأنظمة استبدادية بطيء ولا يتجرأ على المس بوضعيتها الاعتبارية.

تعامل الاتحاد الأفريقي مع الوضع في الصحراء المغربية لا يخرج عن كونه ترجمة حرفية لما تمليه الجزائر وجنوب أفريقيا، وكانت الموزمبيق دوما إلى جانبهما في القرارات والسياسات ضد مصالح المغرب.

المغرب، وبعد أن جمدت الجزائر بطرقها الملتوية هياكل الاتحاد المغاربي، لم يكتف بوضعية المتفرج بل بدأ البحث عن محاور جديدة وتحالفات داخل أفريقيا لأجل تأمين مصالحه الاقتصادية والسياسية، ودعم مبادراته المتعددة.

نجزم أن تحرك الاتحاد جاء متأثرا بمواقف بعض الدول الخائفة من تحركات المغرب أفريقيا خارج إطار الاتحاد وقبله منظمة الوحدة. تحركات يرونها مهددة لمصالحها ومقوضة لبرامجها في المنطقة. ما يؤكد أن الاتحاد الأفريقي يتمتع بجمود ومرونة منعدمة في التعامل مع دول مثل المغرب تسعى بجهد حثيث إلى تثبيت الديمقراطية وتدعيم المؤسسات الدستورية.

يبدو أن هناك نوعا من الخشية من ترسيخ المغرب لمكانته ودوره فى القارة السمراء، حتى لا ينافس الأقطاب الأفريقية (نيجيريا وجنوب أفريقيا) اقتصاديا ودبلوماسيا داخل القارة وخارجها. الاتحاد الأفريقي يعيش تناقضا غريبا عندما يظهر تعاطفا مع كيان انفصالي سحبت معظم الدول اعترافها به، تلك الكذبة التي عاشتها المنطقة والتي غذتها الآلة الدعائية للجزائر ومواليها.

وهو لا يحرك ساكنا أمام المجازر والانتهاكات التي تمارسها ميلشيات بوليساريو ضد المحتجزين المغاربة في مخيمات تندوف.

تناقض نراه جليا مع تعطيل هدف الاتحاد القاضي بـ«حماية حقوق الإنسان والشعوب وفقا للميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب وكذلك المواثيق ذات الصلة». ليبقى مجرد مبدأ زائف يذكرنا بموقف الاتحاد من أزمات متعددة على كامل الرقعة الأفريقية، مالي وليبيا والجزائر والسودان وجمهورية أفريقيا الوسطى وغيرها.

نتساءل عن كيفية الدعوة إلى «تعزيز السلام والأمن والاستقرار في القارة الأفريقية» كمبدأ، والتحلل منه في الآن ذاته باجترار حلول لم يستسغها مجلس الأمن، في الوقت الذي وصل فيه المجتمع الدولي إلى قناعة بعدم جدوى الحلول الترقيعية في الصحراء لكونها تتسبب في إطالة أمد معاناة المحتجزين في مخيمات تندوف، وتمديد مدى الأزمة سياسيا وإنسانيا.

الاتحاد الأفريقى بقراره الأخير يتماهى مع موقف النظام الجزائري الذي لم يكن أبدا جادا في البحث عن حلول حقيقية في الصحراء. قرار الاتحاد الداعي إلى إرسال مبعوث إلى الصحراء على غرار المبعوث الأممي، هو دليل قاطع على التدهور الذي تعرفه مصداقية القمم الأفريقية المتناقضة مع أهداف التأسيس، وخاصة مع هدف مهم متمثل في «تعزيز السلام والأمن والاستقرار في القارة الأفريقية» حسب الميثاق المؤسس.

حرصت، المملكة حتى بعد خروجها، من هذا النادي الأفريقي بداية الثمانينات، على التواصل مع القادة الأفارقة ودعم أي مبادرة للنهوض بالقارة. لكن عمى بعض الأنظمة الدكتاتورية وانحيازها جعل من قرارات الاتحاد مناقضة لمبادئ تأسيسه، وإعاقة لمجهودات الأصدقاء بعودة المغرب إلى حضنه الأفريقي للمساهمة في حل مشاكل القارة.

أمام مجموعة من التوترات والانقسامات الإثنية والطائفية والدينية التي تعرفها عدة دول أفريقية، يكون القرار الأخير للاتحاد الأفريقي بتعيين ما سمي بـ«ممثل خاص» لملف الصحراء المغربية، داعما لتلك السادية والدكتاتورية العمياء، وتشجيعا مباشرا على تناسل حركات انفصالية وإرهابية تأتي على الأخضر واليابس.

فشل الاتحاد الأفريقي بكافة أجهزته في التعامل مع انتشار الجماعات المسلحة المتطرفة في العديد من البلدان الأفريقية، مثل نيجيريا والصومال وكينيا ومالي، لا يؤهله للبت في ملف الصحراء المعقد والمتشعب. ولا نرى في هذا التحرك سوى ضغط آخر من طرف الدول الخائفة من قفزة المغرب الاقتصادية والتنموية، ونجاحه في تدبير تعامله مع التطرف والإرهاب العابر للحدود.

وأخيرا نرى تناقضا سافرا بين أهداف الاتحاد الأفريقي وقراراته عندما يمنح الحصانة للقادة الأفارقة، أثناء توليهم الحكم، أمام المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان في طور التشكيل، وهذا ما ينسف المبدئين المؤسسين للاتحاد، الأول يقول بـ«توطيد النظام الديمقراطي ومؤسساته وتعزيز المُشاركة الشعبية والحُكم السديد»، والثاني يلح على “حماية حقوق الإنسان والشعوب وفقا للميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب وكذلك المواثيق ذات الصلة”، مما يعتبر ضربا في الصميم لكل ما يعزز الإفلات من العقاب وتعزيز الحقوق مع الواجبات.

كاتب مغربي

8