عندي صديقة

الأربعاء 2015/01/07

تجتاحُ أفكاري تفاصيلُ رواية أنعام كجة جي “طشاري” وأنا انتظرُ صديقتي في الزمان والمكان اللذين حدّدناهما برسالة فيسبوكية سريعة.. أستعيدُ كل ما مرّ بنا.. قبل عشرين عاماً.. وكلي لهفة أن أسمع منها ما حلّ بها في هذين العقدين وأن أحكي لها كل ما حلّ بي..

هي تكبرني بيومين فقط.. وكانت جدتي زميلة جدتها في المدرسة.. وأمّي زميلة أمّها.. وأبي زميل أبيها.. كنا نجلسُ معاً على خشبةٍ واحدةٍ حين كنـّا في الصفّ الرابع الابتدائي.. وبقينا كذلك حتى أنهينا الدراسة الثانوية.. واختارتْ كلٌ منا كليّتَها واختصاصها.. لكننا بقينا صديقتين لا تفترقان حتى تزوّجنا في العام نفسه وحملنا وأنجبنا ابنتينِ جميلتين يفصلُ ميلاديهما شهران فقط!..

غادرتْ صديقتي العراقَ أواسطَ التسعينات.. وبقيتُ بعدها عشرةَ أعوام حتى غادرتـُه.. وشاءت أقدارنا أن نلتقي اليوم.. أنتظرها بعد أن جمعنا “كتاب الوجوه” (الفيسبوك) الذي أصبح وطناً بديلاً لكل المشرّدين.. وصار فضاؤه أرضاً تلمُّ الشملَ وتقرّبُ البعيد..

تطلّ في موعدها تماماً.. لأحتضنَ فيها رائحةَ بغدادي فتدمعُ عيناي..

لا أستغربُ أن نتحاورَ باللغة والمفاهيم ذاتها وكأننا لم نفترق إلا أمس!.. فلطالما حلمنا معاً وصنعنا ذاكرتنا معاً وأرّخنا لمستقبلنا الذي لم نكن لنتكهنّ بما سيؤول إليه..

نضحكُ ونبكي من القلب ونحن نستعيدُ باختصار ما كان وما حصل لأقاربنا وأصدقائنا وكيف تقاسمتِ الاُسرة الواحدة منـّا قارتين أو ثلاث.. وكم تشابهتْ وكم اختلفتْ تفاصيلُنا!.. نسرد تواريخ أوجاعنا وأمراضنا العجيبة وأفراحنا.. تحكي عن معاناتها في غربتها الأولى وأحكي عن معاناتي في حروب الوطن.. تحكي عن إصرارها الأول على حلم العودة.. وأحكي عن تشبثي بالبقاء في بغداد وإصراري على الأمل حتى صار الموت زاخراً في كل شارع.. تقول إنها مازالت تتعثرُ خائفة مما سيحلّ بأهلنا وبأبنائنا.. وأقول إنني مازلتُ أتلعثمُ وأنا ألفظُ ثنائيةَ الوطنِ والمنفى..

ما الذي حلّ بنا؟..

كان يمكن أن تكون ابنتي وابنتها زميلتين وصديقتين.. وكان يمكنهما أن تتزوجا في العام نفسه وأن تنجبا في العام نفسه.. كان يمكن لأهلي وأهلها أن يعيشوا أيام شيخوختهم بهدوء وهم يلتقون معاً ويستعيدون ذكرياتٍ تجاوزتْ سبعةَ عقودٍ من تاريخ الإنسان والبلاد.. لكنها البلاد مرة أخرى وقد شاءتْ أن تشتتَ أبناءَها وبناتها.. أو أن الآخرين أرادوا لها الدمار فتشرّد بنوها وتقاسموا الأصقاع..

تؤكد أن أباها في العراق الآن.. وهو بصددِ بيع بيت العائلة الكبير الذي لم يكن ينوي بيعه حتى يئس تماماً من العودة.. وأؤكد لها إن هذا ما يرفضه أبي بشدة مثلما يرفض تصديق فكرة أنه لن يعود للعيش في العراق..

تبتسمُ إذ تعرفُ إن ابنتي ملأى هي الأخرى بأمل العودة.. وأنها مازلت تصرّ على أن تدرس العمارة وتبرعَ فيها لتعود إلى بلدها فتساهم في بنائه.. وأنها لن تكون في مكانها الصحيح إلا هناك..

حين اُودّعُ صديقتي بدمعة فرح على أمل التواصل.. يكون رأسي قد امتلأ بالأسئلة: لماذا نصرّ أن نبقى عراقيين؟.. وأن نربي أبناءنا على حبّ العراق؟.. أليس حريا بنا أن نعلمهم العيش في أي مكان وتحت أي ظرف؟.. وهل نحاولُ أن نعوّض في أبنائننا حرماننا من الوطن؟..

صباحكم وطن جميل..

21