عند أميركا يجتمع الخصوم ولكل منهم حسبته

الدور الذي تلعبه حكومة قطر مهم جدا بالنسبة لواشنطن.. والدوحة عندما أنفقت على طالبان وعلى غيرها من الأصوليين كانت تؤدي دورا يلبي متطلبات الخلفيات الأمنية الإستراتيجية للولايات المتحدة وبريطانيا.
الأربعاء 2020/10/21
طلب قطر شراء طائرة الشبح يهدد استقرار المنطقة

يوجد الآن، لدى الإدارة الأميركية، طلبان اثنان مُلِحّان، للإمارات وقطر، لشراء طائرة الشبح الأكثر تطورا من طراز إف – 35. ورغم توازي كفتي الزبونيْن، في حسابات الإدارة الأميركية، إلا أن طلبية قطر، تعرضت لبعض أسئلة الصحافة، علما بأن ما لدى الإدارة من العناصر التي تجعل التعامل مع الزبونين، بالقدر نفسه من الإيجابية؛ يختلف عن العناصر التي لدى السلطة الرابعة فتجعلها تميز بين الزبونين.

لم تكن وكالة رويترز تنطق عن الهوى، عندما قالت إن طلبية قطر تثير التساؤل عن أسباب امتلاك الإمارة ترسانة سلاح متطورة بالقدر المهول، وذلك على الرغم من وجود قاعدة “العديد” التي تتمتع فيها القوات الجوية الأميركية بنطاق عملياتي واسع، فضلا عن توافر حلفاء لأميركا، موثوقين جدا وفي المنطقة، اثنان منهم اتفقا على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، الحاضرة في المشهد، والأكثر قوة واستقرارا فيه.

الأوساط الإعلامية تقول إن العلاقات والروابط الدفاعية الوثقى بين واشنطن والدوحة، لا تجعل الأخيرة زبونا مناسبا لهذه الطائرة تحديدا. ومن يقولون ذلك من الأميركيين في الوسط الإعلامي، يستذكرون أن قطر لا تزال متهمة بدعم خالد شيخ محمد، المهندس الرئيسي لهجمات 11 سبتمبر 2001 وأنها كانت الممول الرئيس لحركة طالبان، ثم، حسب قولهم، كانت ولا تزال ممولا لحماس والإخوان المسلمين. وجاء في أحد التقارير الصحافية، التي استحثها طلب قطر شراء طائرة إف – 35، أن الدوحة أنفقت المليارات على حكومة الإخوان المسلمين بقيادة محمد مرسي في مصر، ثم منحت أعضاء جماعة الإخوان المسلمين ملاذا آمنا ومؤقتا، عندما سقطت تلك الحكومة في عام 2013.

لكن الأوساط التي تتحدث بمثل هذا المنطق، تتغابى وتتجاهل أن الكثير من المياه مرت في مجرى العلاقات الأمنية الأميركية القطرية، كما تتجاهل أن جوهر الدور الذي تلعبه قطر، مهم جدا بالنسبة لواشنطن، لأنه وسيلتها الأمنية الناعمة، بل تتجاهل أمرا أكثر وضوحا من أي شيء آخر، وهو أن الدوحة، عندما أنفقت على طالبان وعلى غيرها من الأصوليين؛ كانت تؤدي دورا يلبي متطلبات الخلفيات الأمنية الإستراتيجية، للولايات المتحدة وبريطانيا.

ليس أدل على غياب أو تغييب الفهم الإستراتيجي للدور القطري، والتركيز على ظاهر الأمور؛ من تكرار الإشارة إلى أن قطر ضخت على غزة أموالا كبيرة، في السنوات الأخيرة، بعد نوبات الهجوم الإسرائيلي عليها، وكانت تلك المدفوعات الإغاثية، جزءا من اتفاقيات وقف إطلاق النار المؤقتة، وبمثابة مكافأة لحماس على المشاركة في تخليق المزيد من العنف الذي أنهك غزة، وكلما عاد العدوان لتدمير ما تبقى من حياة الناس فيها، تكون الإغاثة المحسوبة بميزان دقيق، جاهزة.

قطر هي أيضا الشريك الأقرب إلى تركيا التي تراها السلطة الأميركية الرابعة، ذات منحى عدواني يزداد جموحا. فقد دعمت أنقرة الدوحة خلال أزمة عام 2017 مع جيرانها الخليجيين، وتستضيف قطر الآن قاعدة عسكرية تركية كبيرة، وتدعم أنقرة والدوحة علنا جماعة الإخوان المسلمين وتستخدمانها لممارسة نفوذهما في الخارج، وأدى احتضان تركيا للإسلاميين، لاسيما في ليبيا، إلى زعزعة الاستقرار في جميع أنحاء الشرق الأوسط، بل أدى جموحها للاستحواذ على الطاقة في شرقي البحر المتوسط، إلى المزيد من التوتر في العلاقة مع اليونان، زميلة تركيا في حلف الناتو.

وقد أشارت التقارير هذا الأسبوع إلى أن تركيا قامت بتنشيط نظام الدفاع ضد طائرات إف – 16 اليونانية، وتحاول تركيا اللعب على النزاعات الجيوسياسية الرئيسية، لذا اختارت معاندة حلف الناتو بشراء دفاعات جوية روسية من طراز إس ـ 400 ونسقت مع موسكو بشأن سوريا أو ليبيا.

وبخصوص الطلبية القطرية للاستحواذ على إف – 35 يقول خبراء الشؤون الدفاعية إن قطر حققت تقدما لقوتها الجوية دون هذه الطائرة، ما يعني أن هاجس الإمارات، هو الذي دفعها إلى الطلب على الطائرة، علما بأن الدوحة سوف تتسلم 14 طائرة متقدمة من طراز إف – 15 خلال فترة وجيزة. لذا فإن الحصول فوقها على مقاتلات إف – 35 من شأنه أن يزيد من غرور المتطرفين ومن تهديدهم للاستقرار في الشرق الأوسط، ما لم يتهدد التفوق النوعي الإسرائيلي كما يرى المعلقون.

لكنّ هؤلاء المعلقين يتعاملون بخفة مع هذه المسألة ويحاولون تسويق الفكرة التي تقول إن الإسلاميين يتقصدون إسرائيل وإنهم على طرف نقيض معها، أو كأن أردوغان يمكن أن يؤيد أيّ نشاط أمني أو عسكري أو عنفي يطال إسرائيل، وهذا الذي يجعل المعلقين يزعمون أن حصول قطر على إف – 35 من شأنه تهديد استقرار القوة الإسرائيلية المتفوقة.

الآن تلقت الولايات المتحدة طلبيتي سلاح متطور، من بلدين عربيين جارين، كل منهما على الطرف النقيض من الآخر. لكن الجديد في الأمر، أن السياق الذي أوصل الإمارات مؤخرا إلى معاهدة التطبيع مع إسرائيل، وهو فرضية التهديد الإيراني، هو نفسه الذي يستخدمه اليوم، الأميركيون في السلطة الرابعة، ضد حيازة قطر على السلاح الأكثر تطورا. فالقطريون على صلة مع إيران، التي كان الخوف منها سبب اندفاع قطر إلى التطبيع مع إسرائيل قبل أكثر من ربع قرن.

واليوم لن يتساوى من يبني تحالفاته الجديدة، على خصومة إيران، مع الذين يبنون تحالفات مع إيران، على أساس الخصومة مع السعودية والإمارات والبحرين. وعلى الرغم من ذلك، لن تُسمع من الدولة الأميركية العميقة، التي تمثلها المصالح الأمنية ووزارة الدفاع، كلمة واحدة تتبرم من قطر أو تستهجن منها طلب السلاح المتطور، مثلما استهجنت إسرائيل علنا، في لحظات الاحتفال بالتطبيع، شراء الإمارات السلاح نفسه. ذلك لأن المسكوت تماما عنه، في علاقات قطر مع واشنطن وتل أبيب، أدهى بكثير من أي علاقات أخرى.

8