عند الإشارة الضوئية

هذه المرة، سأحرص قبل النوم على أن أضع طفلي في سريره وأتأكد من أنه دافئ ومريح ثم أضع الغطاء على وجهي وأطفئ مصباح عيني، حتى لا تتسنى لي مشاهدة الكابوس ثانية.
السبت 2018/06/09
أكثر من خمسة ملايين طفل يتيم في العراق من مجموع 140 مليون يتيم في دول العالم أجمع

القصة تقول إن الطفلة الصغيرة التي لا يتجاوز عمرها التسع سنوات، كانت تصارع النعاس في أحد شوارع مدينة البصرة قبل أيام، عندما أطبق النوم على أجفانها وكادت تنام على الرصيف، في الوقت الذي تتوسل فيه أصحاب المركبات عند الإشارة الضوئية، ليبتاعوا منها فوانيس رمضان حتى يتسنى لها العودة إلى المنزل والنوم.

في الحقيقة، كان الفيديو الذكي الذي وثق المأساة ينبئ بمهارة مصوره العالية، لكنه يكشف أيضا عن مدى هشاشتنا الإنسانية سواء أكنا عابري سبيل نتعثر على الرصيف فلا نستجيب برد فعل مناسب ونحن داخل تضاريس المشهد، أم كنا مجرد مراقبين موضوعيين، ننظر بعين اللامبالاة إلى كائنات معذبة نبتعد عنها الآلاف من الأميال النفسية.

أكثر من خمسة ملايين طفل يتيم في العراق من مجموع 140 مليون يتيم في دول العالم أجمع، بحسب إحصاءات المنظمات الدولية المعنية بحقوق الطفل، وقد اشتقت الأرقام التقريبية بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني في الدول المعنية.  الأرقام أيضا، تؤكد أن العراق يضم النسبة الأكبر من الأيتام في العالم قياسا بعدد سكانه، كما أن قرابة 3 مليون طفل عراقي في سن الدراسة يفتقرون إلى فرص التعليم، ما يعني، أن هؤلاء الصغار سيكونون في المستقبل القريب، أكثر عرضةً للزواج المبكر وعمالة الأطفال والتسول واستغلال عصابات الجريمة والمافيات الإقليمية.

بالطبع، لا تخلو هذه الإحصاءات من الخطأ بسبب صعوبة الحصول على أرقام دقيقة خاصة في المناطق التي مازالت تشهد نزاعات مسلحة أو هجمات إرهابية، وهذا أمر طبيعي لكنه لا يقلل من قيمتها باعتبارها مؤشرات تقريبية تساعد في تشخيص الحالة لوضع الحلول ورسم سياسات بعيدة المدى. ومع ذلك، تصفها بعض المؤسسات الرسمية، في البلد الأغنى في المنطقة، بأنها أرقام مبالغ فيها وغير دقيقة، في تقييم يدعو للسخرية، فكيف يمكن أن تكون الأرقام دقيقة في بلد يعج بالفوضى، يستشري فيه الفساد وتُسلب فيه حقوق المواطن الضعيف وتُهدر ثرواته، وإذا لم تكن دقيقة، فلماذا لا تسعى الدولة إلى توفير حلول سريعة لأعداد الأطفال (القليلة) المؤكدة الذين اضطروا إلى العمل من أجل تأمين لقمة العيش لأسرهم بعد أن فقدت معيلها؟

أعلم أن هذه الصور والمشاهد أصبحت تتكرر كثيرا وربما بشكل يومي، إلا أنها في كل مرة تحدث وكأنها المرة الأولى بقسوتها وبشاعتها، هذا لأن يوميات أي طفل معذب تتساوى مع حياة كل طفل يعيش حياته بصورة سوية، في أي بقعة من هذا العالم؛ فكلاهما وُلد من دون إرادته وكلاهما يستحق أن يعيش حياة كريمة طالما قُدّر له أن يعيشها.

وعندما تُسلب من الأول حقوقه تصبح حقوق الآخر بلا معنى، وعندما يشعر طفل بالتعاسة في أي زاوية من زوايا هذه الأرض، فلا معنى لسعادة يحصل عليها طفل آخر في زاوية أخرى من العالم ذاته.

لا أستطيع أن أتصور أن أم هذه الطفلة تعلم بما يحدث لابنتها؛ فإما أن تكون قد ماتت والموتى لا يستطيعون الخروج من قبورهم ليضعوا أطفالهم في السرير، وإما أن تكون مريضة وعاجزة عن الحركة فلا تستطيع مغادرة مكانها لتبحث عنها، وإما أن يكون الفيديو الذي شاهدت محض كابوس لا غير.

هذه المرة، سأحرص قبل النوم على أن أضع طفلي في سريره وأتأكد من أنه دافئ ومريح ثم أضع الغطاء على وجهي وأطفئ مصباح عيني، حتى لا تتسنى لي مشاهدة الكابوس ثانية. هذه القصة جزء صغير من الكارثة التي يتعرض لها أطفال العراق.

كم أحسدها، تلك النعامة التي تتحايل على خوفها في كل مرّة فتعدو سريعا لتدفن وجهها في الرمال.

21