عنصرية العلم: أسلحة بيولوجية انتقائية تستهدف عرقا محددا دون غيره

تطوير فيروسات تهاجم تتابعا معينا للشفرة الوراثية، وبرامج التعديلات الوراثية تسمح بتطوير أسلحة عالية الدمار.
السبت 2018/06/09
أسلحة ثورية

لندن – في عام 1925، حذر رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل من “نشر الآفات للقضاء على القوات، وجرثومة الأنتراكس للقضاء على الخيول والماشية والأوبئة لتسميم ليس فقط الجيوش بل أحياء كاملة”، مؤكدا أن “هذه هي المجالات التي تحقق فيها العلوم العسكرية التقدم بلا رحمة”.

اليوم تتجلى بوضوح الأمثلة عن تلك “الآفات القاتلة”، التي تحدث عنها تشرشل وأقلقت منذ أكثر من قرن القادة العسكريين والسياسيين، وتتسع رقعة المخاوف من حرب بيولوجية واسعة النطاق، في ظل التطورات التكنولوجية التي أسفرت عن نتائج مبهرة في مجال البيولوجيا الحيوية، لكنها أيضا أصّلت المخاوف من استخدام مسببات أمراض في صنع الأسلحة.

وكتبت كايت تشارليت، في مجلة فورين أفريز، مشيرة إلى أن العلماء يملكون اليوم القدرة على تعديل الحمض النووي لكائن حي بطريقة أكثر فعالية ومرونة ودقة من أي وقت مضى باستخدام أدوات التعديل الجيني، وبينها نظام يعرف باسم كريسبر.

ورغم صعوبة التكهن بالمجموعة الكاملة من التطبيقات المحتملة لهذا التطور، فإن نظام كريسبر يجعل عملية إحداث تغييرات في كيفية عمل أجسام الكائنات الحية أمرا سهلا على العلماء. تساعد هذه التكنولوجيا على تقديم احتمالات هائلة لأنواع الأغذية في مختلف أنحاء العالم. ويدرس الباحثون استخدام أساليب جديدة للتعديل الجيني لضبط الطفرات الجينية المميتة وزراعة محاصيل مقاومة للأمراض وكذلك علاج السرطان.

لكن بعض أكثر الأسئلة إثارة للقلق اليوم تتمحور حول إمكانية أن يغوي التقدم التكنولوجي الدول لإعادة إحياء برامجها القديمة للتسلح البيولوجي أو إطلاق برامج جديدة. وقد تجهض نتيجة كهذه التقدم الذي تحقق على مدى عقود في مجال حظر أسلحة الدمار الشامل؛ فإعادة تفعيل الدول لبرامج التسلح البيولوجي قد تتسبب في اندلاع نزاعات جديدة أو تعيد إطلاق سباقات تسلح قديمة وتؤدي إلى زعزعة النظام العالمي.

تعديل جيني من شأنه تمكين العلماء من تطوير أسلحة بيولوجية قادرة على التمييز بين التجمعات البشرية المستهدفة بناء على أسس عرقية أو عنصرية أو أي خصائص جينية محددة أخرى.

طرق التعديلات الجينية، مثل كريسبر، قد تجعل الأسلحة البيولوجية أكثر دموية. وقد تنجح أمم في تطوير مسببات أمراض معدلة يمكن أن تنتشر بسرعة أكبر لتصيب المزيد من البشر وتؤدي إلى أمراض خطيرة أو تملك قدرة أكبر على مقاومة العلاجات، كإنتاج فيروسات تهاجم تتابعا معينا للشفرة الوراثية في الخلايا.

يتمثل أحد المخاوف ذات الصلة في وجود تعديل جيني من شأنه تمكين العلماء من تطوير أسلحة بيولوجية قادرة على التمييز بين التجمعات البشرية المستهدفة بناء على أسس عرقية أو عنصرية أو أي خصائص جينية محددة أخرى.

ووفقا لجيجي غرونفال، خبيرة السلامة البيولوجية، فإن تصميم ما يعرف باسم “الأسلحة العرقية” واختبارها سيكونان أمرا خطيرا، كما أن أي تجمعات سكانية مستهدفة ستكون على الأرجح متداخلة بشكل كبير مع تجمعات سكانية أخرى غير مستهدفة.

ويقول فيكتور ديلفيتشيو، العالم بجامعة سكرانتون الأميركية، إن إنتاج “قنبلة عرقية” أمر ممكن نظريا، لكنه لا يعتقد أنه توجد حاليا معلومات كافية عن الجينات البشرية بحيث أن أحد الأعراق البشرية لديه جين معين يمكن أن تتم مهاجمته بأسلحة خارجية.

وشهد العالم من قبل استخدام أسلحة بيولوجية في صراعات عرقية وعنصرية. في سبعينات القرن العشرين على سبيل المثال، استخدمت مخابرات روديسيا جرثومة الكوليرا لتسميم آبار يسيطر عليها مسلحون قوميون من أصل أفريقي. وفي عام 1981 أنشأت حكومة الفصل العنصري بجنوب أفريقيا مشروع الساحل، الذي يعتقد أن هدفه كان تطوير أساليب بيولوجية لاغتيال معارضين.

ووفقا لبعض الروايات، فإن باحثين في مشروع الساحل درسوا كذلك خططا للتحكم بطريقة انتقائية في مصل مضاد للخصوبة تلقح به نساء من أصل أفريقي. وتقول كايت تشارليت إن هذه الأمثلة توفر سببا يدفعنا إلى المطالبة بمراقبة التهديد الذي تمثله الأسلحة البيولوجية محددة الأهداف.

يعتقد بعض العلماء أن التعديلات الجينية قد تجعل من السهل تطوير الأسلحة البيولوجية واستخدامها سرا، وبالتالي تقليل خطر الإدانات والاستنكار من المجتمع الدولي.

يمكن أن يدفع تطوير أسلحة بيولوجية رخيصة الدول إلى مراجعة قيمتها الاستراتيجية. فنظام مثل كريسبر يجعل عمليات التعديل الجيني أقل تكلفة؛ ففي عام 2014 أشار عالم في جامعة فاندربيلت إلى أن القيام بنشاط من هذا النوع احتاج إلى ثلاثة أسابيع فقط ولم تزد تكلفته على ثلاثة آلاف دولار بعد أن كان يتطلب 18 شهرا ويتكلف 20 ألف دولار.

وبالنظر إلى كل ما تقدم، تظل نقطة واحدة مثيرة للقلق موجودة. فرغم أن عوامل من قبيل التكلفة المنخفضة وسهولة الوصول والفعالية الأكبر قد لا تكون كافية لإغواء قوى كبرى، فإنها قد تدفع دولا “مارقة” أو جماعات إرهابية إلى دراسة الفائدة التي يمكن أن تتحقق من الاستثمار في الأسلحة البيولوجية.

ولهذا السبب ترى كايت تشارليت أن “أي استراتيجية للتعامل مع خطر الأسلحة البيولوجية المعدلة جينيا يجب أن تأخذ بعين الاعتبار مجموعة كبيرة من أنماط الدول، فنحن لا نتعامل فقط مع القوى الكبرى”.

من الطبيعي أن إرهابيين أفرادا أو جماعات كتنظيم الدولة الإسلامية لا يشعرون بأن الأعراف الدولية تفرض عليهم أي قيود. وبالطبع يزيد التقدم في التعديلات الجينية من خطر احتمال استخدام مثل هذه العوامل في صنع أسلحة بيولوجية.

يأمل الباحثون ورجال الأعمال والحكومات حول العالم في الاستفادة من التكنولوجيا الحيوية المتقدمة في مجالات كالأدوية والزراعة والتصنيع. وبالنظر إلى التقدم الذي تحقق مؤخرا في مجال التكنولوجيا البيولوجية، ستمثل عواقب العودة إلى حقبة كانت تشهد دولا مالكة لبرامج تسلح بيولوجي أمرا مروعا. لكن وضع استراتيجية معقولة للإبقاء على طرق منع قوية بما يكفي من شأنه أن يجعل احتمالا كهذا ضربا من الخيال.

7