عنصرية اليمين المتطرف تعم السجال السياسي الأوروبي

الخميس 2015/04/02

اليمين الأوروبي الغربي المتطرف يزداد ضراوة في عدائه السافر للمهاجرين وفي المقدمة أبناء الجالية المغاربية، وتكمن خطورة هذا اليمين في كونه أصبح الآن لاعبا لا يستهان به، في مسرح الهيمنة والهيمنة المضادة في الفضاء السياسي القاري الأوروبي من جهة، ومن جهة أخرى فإنه لا يستهدف المصالح المادية وأبعادها الاجتماعية لهذه الجالية فقط، وإنما يستهدف، بالتزامن، رأسمالها الثقافي والروحي بواسطة رفض التعددية الثقافية، والدعوة في آن واحد إلى سنَ قوانين بموجبها يفرض عليها الامتصاص الثقافي، والإقصاء الروحي.

في إطار هذا المناخ الصعب والخطير كرست المجلة الأميركية الشهيرة “فورين أفيرز” المتخصصة في الدراسات الإستراتيجية في عددها الأخير لشهري مارس/أبريل 2015 ملفا كاملا لمشكلات العرق والعنصرية، وخصصت مكانا لواقع الجالية المغاربية في أوروبا.

شاركت في إنجاز هذا الملف نخبة من الدارسين والمفكرين البارزين في المشهد الفكري والسياسي الغربي، وهم كوام أنثوني أبياح، وفريدريك هاريس، وروبرت ليبرمان، وكينان ملك، ودبره يشَار، وجيمس غيبسون، وغراهام براون وأرنيم لنغر. لهذا الملف، المنشور في هذا الوقت بالذات وفي هذا المنبر الذي يعتبر “مطبخ” السياسات الخارجية الأميركية، دلالات سياسية كثيرة، خاصة وأن ظاهرة التمركز العرقي الأوروبي/الغربي وتداعياتها العنصرية تعد من أخطر الظواهر التي تهدَد أمن الجاليات الأجنبية ووجودها، وفي مقدمتها الجاليات العربية الإسلامية وفي صلبها الجالية المغاربية على نحو خاص.

يتميز هذا الملف الذي سنشير بسرعة إلى بعض أهم المشكلات التي يعالجها، في كونه يحاول أن يسلط الضوء على المخططات المستقبلية لليمين الفرنسي، والأوروبي الغربي عموما، في ظل تفاقم المدَ العنصري الذي يأخذ أشكالا متنوعة في المهاجر الأوروبية/الغربية، وفي ظل كثرة التصريحات المعادية للتعددية الثقافية التي أدلى، ولا يزال يدلي، بها بعض رؤساء ووزراء الدول الكبرى في الاتحاد الأوروبي. إن قراءة واستيعاب هذا الملف ستساعد دون شك على فهم مضامين ودلالات دعوات الأحزاب اليمينية المتطرفة إلى المضي قدما في تنفيذ مشاريع استبدال سياسات التعددية الثقافية بسياسات الإدماج والامتصاص الثقافي ضد الجاليات المهاجرة.

هنا ينبغي أن نطرح هذا السؤال؛ لماذا يغط الفكر العربي الإسلامي، ومعه السلك الدبلوماسي العربي/الإسلامي في سبات عميق ويكتفي بردود فعله المحتشمة والمؤقتة عند حدوث عمليات عنف في البلدان الأوروبية/الغربية لوقت قصير، ثم سرعان ما يعود الجميع إلى النوم مجددا في الوقت الذي يحاول عدد من المفكرين الغربيين المعادين للعنصرية التصدي بالتحليل والموقف النقدي للتيارات اليمينية المتطرفة في الفضاء الأوروبي الغربي؟

لا شك أن مجلة “فورين أفيرز” لا تناقش في هذا الملف مسائل نظرية وأكاديمية بل فإنها تبني تحليلاتها الواردة في هذا الملف على ضوء النتائج التي ما فتئ اليمين المتطرف في فرنسا يحصدها في الانتخابات، فضلا عن الحضور القوي لكتل هذا اليمين في أوروبا، سواء في شكل أحزاب رسمية وفاعلة، أو في صورة شبكات إعلامية أو تجمعات وروابط وتنظيمات ونوادي، تمثل، بصورة أو بأخرى، أجزاء من شرائح المجتمع المدني اليميني الأوروبي والغربي، وتخدم سياسات التمركز الغربي اللاغي للآخر المتمثل في المهاجرين.

وفي الحقيقة فإن قوى اليمين الأوروبي هذه قد شرعت منذ مدة طويلة في خوض غمار العمل السياسي من أجل الوصول إلى الحكم، وكما نعرف فإن حزب الجبهة الوطنية اليميني الفرنسي المتطرف (على سبيل المثال) قد تمكن مؤخرا، بزعامة مارين لوبان، من تسجيل حدث سياسي ملفت للنظر في انتخابات الأقاليم الفرنسية، حيث حصد نسبة 25 بالمئة من الوعاء الانتخابي.

وقبل ذلك استطاع هذا الحزب تسجيل نتيجة لا يستهان بها أيضا في الانتخابات الأوروبية لعام 2014. وبمناسبة تسجيل هذه النسبة في انتخابات الأقاليم صرَحت زعيمته مارين لوبان للصحافة العالمية “قلت بوضوح، إن 20 بالمئة ستكون نتيجة جيدة، أما 25 بالمئة فهذا بمثابة انتصار، لأن النجاح في الحصول على نفس نتيجة الانتخابات المحلية، حيث لم يكن لدينا مناصب، ومقارنة مع الانتخابات الأوروبية التي كانت انتخابات وطنية يعد أمرا استثنائيا، لقد حققنا زيادة بنسبة 360 ألف صوت مقارنة مع الانتخابات الأوروبية، هذا هو النجاح الكبير”.

إن انتخابات الأقاليم هذه تعدَ، كما قال أحد المحللين السياسيين الغربيين “بمثابة اختبار لشكل الخارطة الحزبية والسياسية في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2017”. إلى جانب ما تقدم فإن محللين سياسيين آخرين قد أكدوا أن نتائج الانتخابات الأوروبية تعني بوضوح “تزايد شعبية اليمين في معظم الدول الأوروبية بعد الأزمة الاقتصادية التي شهدتها القارة العجوز، إلا أنه لم يكن متوقعا أن يكتسح اليمين المتطرف الانتخابات بشكل غير مسبوق في فرنسا أحد أبرز دعائم الاتحاد الأوروبي”.

في هذا السياق يلاحظ محلل سياسي آخر أن “حزب الاستقلال البريطاني المناهض للهجرة والداعي لانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي”، قد تمكن هو أيضا “من الحصول على 27 بالمئة من الأصوات، مسجلا ضعف عدد الأصوات التي حصل عليها في انتخابات 2009”، كما افتك هذا الحزب مؤخرا موقعا في البرلمان البريطاني في سابقة تنذر بالمخاطر.

إن ظاهرة العنصرية ومعاداة الأجانب في أوروبا، وخاصة ضد الجالية العربية الإسلامية التي تناقشها بعض مقالات ملف مجلة “فورين أفيرز”، تزداد استفحالا وذلك جراء وجود تحالفات بين التيارات اليمينية التي تنسق فيما بينها وتنشط سياسيا وتحصل على نسبة معتبرة من الوعاء الانتخابي في كل من النمسا وهولندا وغيرها. إن هذه الموجة العنصرية الخطيرة ستكون لها تداعيات مرعبة في المستقبل المنظور، على الجالية المغاربية بشكل خاص، وعلى الجاليات العربية المسلمة بشكل عام.

في هذا الإطار يلخص المعلق السياسي كينان ملك، الذي يعمل ضمن فريق الطبعة الدولية بجريدة “نيويورك تايمز” الأميركية والمشارك في ملف فورين أفيرز، في مقاله “فشل التعددية الثقافية” سلسلة من التناقضات التي تعشش داخل الخطاب السياسي الأوروبي، وتتميز بمعاداة التعددية الثقافية التي تشمل العناصر المشكلة للهويات بدءا من اللغة والقيم الاجتماعية، وأشكال الزي، وأساليب الحياة اليومية، والمنظورات السياسية والأيديولوجية، إلى المعتقد الديني، وبهذا الخصوص كتب قائلا “منذ الثلاثين السنة الماضية، رأى كثير من الأوروبيين التعددية الثقافية باعتبارها من مقومات المجتمع المتنوع كجواب لمشكلات أوروبا الاجتماعية، أما اليوم فإن عددا متزايدا يعتبرها سببا لها”.

جراء هذا التغير السلبي في الموقف فإن كينان يلاحظ أن “فرنسا قد رفضت سياسات التعددية الثقافية لصالح سياسات الامتصاص الثقافي”، وأنَه في ألمانيا، التي ترفض فيها المستشارة الألمانية التعددية الثقافية، نجد “الجالية التركية المسلمة مبعدة عن المجرى العام للمجتمع”، وأنه رغم أن بريطانيا تسلك سلوكا مختلفا إلى حد ما، ولكن “رئيس وزرائها ديفيد كميرون قد أعلن رفضه للتعددية الثقافية”.

كاتب جزائري

8