عنف الآباء ضد المدرسين يؤرق المجتمع المصري

لا تكاد تمرّ ليلة إلا وتعرض الفضائيات المصرية ووسائل الإعلام المختلفة على الجمهور، حوادث اعتداءات ارتكبها أولياء أمور التلاميذ في حق المعلمين والمعلمات، بلغت أحيانا حدّ القتل، الأمر الذي استنفر مهتمين بالتعليم للدعوة إلى وضع حدّ لهذا الانفلات، لكن أولياء الأمور يردون بأن المعلمين يستفزون الطلاب وأسرهم، فلا يجد هؤلاء من حل أمامهم سوى الانتقام لأبنائهم.
الجمعة 2016/10/28
غياب تعاون الأسرة مع المعلم يؤسس لمجتمع تسيطر عليه لغة العنف

في الوقت الذي نظر فيه خبراء الاجتماع والتربية، إلى عنف أولياء الأمور ضد المعلمين، باعتباره جزءا من “البلطجة”، التي تفشت في البعض من قطاعات المجتمع المصري، قال آخرون إن التقصير سببه وزارة التعليم، حيث فشلت في إعادة الانضباط إلى المدارس، ووضع لوائح صارمة تعاقب كل من أخطأ، سواء كان المدرس، أو الطالب أو الطالبة، أو وليّ الأمر نفسه.

لم يعد من المبالغة في شيء اعتبار أن انتشار العنف داخل المدارس أصبح ظاهرة خطيرة، تهدّد المجتمع وسلامة العملية التعليمية، وتؤثر بشكل مباشر على مستقبل التلاميذ، ولا سيما أن ارتكاب العنف لم يعد مقتصرا على المعلم تجاه التلميذ، بل أضحى إجراء شبه يومي، من الآباء تجاه المعلمين أنفسهم.

ولا شك أن غياب تعاون الأسرة مع المعلم، في تربية النشء، يؤسس لمجتمع جاهل وفوضوي، تسيطر عليه لغة العنف، ومحاولة فرض السيطرة بالقوة، خاصة عندما يكون البعض من أرباب الأسر أنفسهم رعاة لهذا العنف، ومن ثم فإن الدور السلبي الذي تقوم به الأسر، يضاعف من التحديات الواقعة على العملية التعليمية، ويحول دون فرض الانضباط الكامل على المدارس.

في الماضي، كانت المدارس تعتمد على الآباء، لتحجيم تجاوزات أبنائهم، وكان الأمر يصل إلى حدّ معاقبة الأب لابنه أمام الجميع داخل المدرسة، حتى لا يكرر تجاوزاته، لكن الحال تبدل، وأصبحت تجاوزات ربّ الأسرة نفسه تجاه المدرسة والمعلمين، من المشاهد المتكررة.

البعض من الأسر تتسبب في انتشار السلوكيات السيئة والمنحرفة بين أطفالها، لأنها تعلمهم أسس البلطجة

ويمكن القول، إن وزارة التربية والتعليم، ربما فشلت في بناء علاقة قوية قائمة على الاحترام المتبادل بين الأسرة والمدرسة، ما أثر على سمعة وصورة المدرسة أمام التلاميذ، بعدما تحولت إلى ما يشبه ساحة للمعارك الكلامية، ولتشابك بالأيدي طال أجساد الأطفال، وبلغ حّد إصابتهم بعاهات مستديمة.

كانت الواقعة الأشد صدمة للرأي العام، تلك التي قُتل فيها أحد المعلمين بمحافظة السويس (شرق القاهرة) على يد طالب بالمرحلة الثانوية، بعدما عاتبه على قيامه بتناول مخدر الحشيش داخل الفصل، فما كان منه إلا الاعتداء عليه بسكين كان بحوزته، فأرداه قتيلا.

ولم تفلح لائحة الانضباط المدرسي، التي أقرتها وزارة التعليم مؤخرا، في إعادة الاستقرار إلى المدارس، برغم ما تحويه من عقوبات صارمة ضد الطلاب، حتى لو كان التجاوز بالقول وليس بالفعل، لكنها أغفلت تطبيق عقوبات على أرباب الأسر المتجاوزين في حق المدرسة.

وتحدث خبراء في التعليم، عن أنه لا يمكن فصل ظاهرة عنف أولياء أمور الطلاب، عن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، التي باتت تلاحق الكثير من الأسر المصرية، ما يولد طاقة سلبية لديهم، ويؤدي إلى ارتفاع وتيرة الإحباط والغضب.

وأشاروا إلى أن نقص الخدمات بالمدارس، والأنشطة الرياضية والثقافية والفنية، يسهم في زيادة العنف، حيث أن المدرسة المصرية، في الكثير من الحالات، باتت كسجن، لا يجد فيه الطالب ما يفرغ فيه طاقته الجسدية والنفسية.

ورأى آخرون أن مطاردة المدرسين للطلاب، خاصة في مدارس الفقراء، بالريف وصعيد مصر، لإجبارهم على تلقي الدروس الخصوصية (بالأجر)، يمثل عامل ضغط على الأهل، ويدفعهم أحيانا إلى ارتكاب العنف ضد هؤلاء المدرسين والمدرسات.

نقص الخدمات بالمدارس، والأنشطة الرياضية والثقافية والفنية، يسهم في زيادة العنف، حيث أن المدرسة المصرية، في الكثير من الحالات، باتت كسجن

ومن جانبها قالت بثينة كشك، وكيلة وزارة التعليم بمصر لـ“العرب”، إن انتشار ظاهرة العنف بين أولياء الأمور في تعاملهم مع المدرسة، جعل الطالب نفسه يستقوي على المدرسة، ويتطاول، وقد يهين المعلم، بذريعة أن والده سبقه في نفس الفعل، ومن ثم فإن أكثر ما يثير التخوفات هو غياب دور الأسرة الحكيمة.

وأضافت أنه بسبب تعنت الأسرة، فإن الوزارة عندما تحاول بشتى الطرق اتخاذ آليات وإجراءات، لإعادة هيبة المدرسة، تصطدم بـ“جبروت البعض من الآباء”، أمام التلاميذ، ما ينمي لديهم ضعف هيبة المدرسة، فينظرون إليها نظرة دونية.

وطالب معلمون، في خطابات متتالية لوزارة الداخلية، بإنشاء شرطة متخصصة في تأمين المدارس، تفصل بين الأسر وإدارات المدارس، على غرار شرطة السياحة والآثار والنقل والكهرباء.

وأوضح عمران مجاهد، مدير مدرسة ثانوية بالقاهرة لـ”العرب”، أن أحد الآباء حضر إلى المدرسة وأهان ابنه أمام الجميع، لأنه “لم يهن المعلم عندما عاتبه أمام الطلاب”، بل إنه طالبه بالتعدي على معلمه في المرات القادمة، مؤكدا أن البعض من الأسر تتسبب في انتشار السلوكيات السيئة والمنحرفة بين أطفالها، لأنها تعلمهم أسس البلطجة.

وأقرّ رضا حجازي، رئيس قطاع التعليم العام بوزارة التعليم لـ”العرب”، بأنه “لا مانع من مشاركة أرباب الأسر في إدارة دفة الأمور داخل المدرسة، لكن التعدي على المعلمين بقسوة حوّل الأسرة إلى عبء ثقيل على الوزارة، رغم كل المحاولات الإيجابية لجعل أولياء الأمور عاملا أساسيا في فرض الاستقرار على العملية التعليمية من خلال مجالس الآباء”.

وألمح مجدي بدر، أستاذ علم اجتماع الأسرة بجامعة الإسكندرية لـ”العرب” إلى أن المدارس قد تراجع دورها بشدة، بسبب انتشار ظاهرة البلطجة بداخلها، سواء من الآباء أو التلاميذ وحتى من المعلمين، فالآباء عندما يتطاولون على المعلمين، فإن هؤلاء يعودون إلى الانتقام من أبنائهم، ويعاملونهم بمنتهى القسوة كردّ اعتبار لهم.

وطالب بضرورة تخصيص درجات مرتفعة على سلوكيات الطلاب، تكون مؤثرة في مستقبلهم التعليمي، ووقف التصالح مع الآباء المتجاوزين، مع إبعاد المعلمين الذين يرتكبون العنف عن التدريس نهائيا.

21