عنف "شارلي" شار لي عنفا

الثلاثاء 2015/01/13
هجوم "شارلي ايبدو" وحشي بكل ما تحمل الكلمة من معنى

إزاء حدث/ واقعة شارلي الباريسية الفرنسية يتعولم الإرهاب أكثر في مفتَتح الشهر الأول من العام 2015 تقريبا، بقدر ما يطرد الضحايا الأبرياء عددا، ومن كان يجب عدم إدراجهم في خانة النيل منهم، ليكونوا ضحايا إزاء هذا النوع من العولمة، إنما في سياق مغاير لما هو مرصود عولميا. فإذا كان التعريف بالعولمة ومنذ حين من الدهر “منذ أكثر من عقدين من الزمن من الآن”، يتم بإلباسها لبوس العم سام قبل كل شيء، وتهديدها للوضعيات الجغرافية والسياسية لغالبية الدول الأخرى، ومنها العربية بامتياز، فإن التعريف بالإرهاب وبتصاعد وتيرته في التهديد العالمي والمخاوف وردود الأفعال ضده، يتم في سياق ديني، إسلامي، عربي في الغالب، رغم وجود سهم أميركي، وأوروبي في بنيته أساسا.

إنه سياق انعطافي هائل في استراتيجيا المجابهة بين المعتبَر معسكرين، كما لو أن منطق الثنائية يفرض إرادته قدرية الطابع، حتى إذا بدا غامضا أو شائها. فثمة جهات، قوى معينة تسعى جاهدة إلى ابتداعه/ اختلاقه، ليكون شرقا وغربا أكثر من المفهوم الطباقي الذي ألمح إليه، ذات يوم، المفكر الراحل إدوارد سعيد في “الثقافة والإمبريالية”، بما أن الطباق يشدد على الجمالية المستساغة في الفن والأدب بصورة لافتة، وهو في عهدته الطازجة ينطلق من قانون تضادي يبقي التوتر المدمّر خميرة الجاري والمستحدث.

إن حدث شارلي عنفي ومخز لمن قام به، ومن يبحث عن تبرير له، خصوصا بالنسبة إلى الذين فرّوا بجلودهم من مجتمعاتهم التي ينخر فيها إرهاب أنظمتهم العربية، وما إن بلغوا ” بَرَّ ” الأمان الأوروبي، حتى نسوا الجهات التي انسلّوا منها، وحاولوا في نسبة ملحوظة منهم، وبذريعة الحفاظ على الهوية، التعريف بأنفسهم مسلمين، لا بل وإسلاميين أيضاً إيغالاً في التميز، وليسوا عرباً فقط، إيحاء منهم، أنهم بالطريقة هذه ينقلون رسالة نافذة المفعول إلى الأوروبيين، تتمثل في أنهم ينتمون إلى عالم له اعتباره التاريخي، دون أن يعلموا بإجرائهم هذا مدى تماهيهم مع عنف أنظمتهم في ردود أفعالهم، وحتى “غيتواتهم” متعددة الأبعاد إلى جانب أشكال الزي وسيمياء الوجه، كأنهم بطريقتهم هذه بتنسيبهم إلى “دار السلم” يفصحون عن حقيقة ما تنطوي عليه نفوسهم ورؤوسهم وهم في “دار الحرب” والتراتبية القيمية التي يمنحونها لمقاماتهم.

واللافت وكما ردد ذات يوم وبنوع من الاستغراب هاشم صالح، في كتابه “الانسداد التاريخي” كيف أن المثقفين العرب في نسبة معلومة منهم، لم يشاؤوا إدانة ما وقع في 11 سبتمبر2001، في نيويورك، إنما تحفزوا لإيجاد مبررات للفاعلين، أي ربما من ذات الذهنية المحجّرة على ذويها ومتاهتهم النفسية. ولعل الانقسامات الملحوظة في مواقف المثقفين العرب، أو المسلمين والعرب ضمناً، تواجهنا بخاصية “ملوك الطوائف” قبل قرون عديدة، إنما في المتن، ما يعرّيهم أو يجرّدهم من تلك الإرادة الثقافية الفعلية التي تعرّف بهم ممارسي الفكر التاريخي الحي، وكيفية تسمية الإرهاب إرهاباً، لأن ما جرى هو أن حدث شارلي بعنفه ” شار ٍ لي ” عنفاً مضاعفاً كمنتم إلى عالم يكاد يطبِق علي شعباً وجغرافيا، ومعمّقاً لتلك الفكرة التي لطالما شغَف بها الكثير من المستشرقين الأوربيين، وبدوره برع إدوارد سعيد في مكاشفة الوجه الفعلي لكل منهم في ” الاستشراق – 1978 “، وليكون الحدث الإرهابي بواقعته أشبه ما يكون بشاهد عيان بليغ من “أهل” سعيد على صواب الكثير من أطاريح المستشرقين.

لكأن الطغيان الذي عاشوه وعانوه طويلاً في ظل أنظمتهم عاداهم، واستولد فيهم أشباهاً لمحاكاة رموزه، وهو عين اليقين الدال على أن الحوار لا يكون إلا بالتحرر القطعي من كل أثر له، ليستعيدوا تمايزهم.

بالصورة المقدَّمة هذه، لا يظهر في حدود المرئي وأبعد منه، أن ثمة إمكانية لتقديم مقترَح عما يمكن قوله، حيث الإرهاب بماركته الدينية الإسلامية والمعرَّبة كثيراً، مستفحل، والحدث الشارليوي، إن جاز التوصيف، سوف يمارس وظيفة آلة الحفر في الذاكرة الجمعية للأوروبيين، وليس الساسة ومن معهم أمنياً فقط، وهذا يضاعف التحدي بالنسبة إلى المثقفين العرب وخلافهم: مسلمين هنا، في أوروبا، إزاء ما يجب التركيز عليه، ليس من خلال ندوات مفتوحة أو مغلقة، ليس من خلال تخصيص ملفات صحفية ومحاضرات شتى، ليس من خلال تنظيم مسيرات في الحواضر الأوروبية استنكاراً لذلك، وما جرى يوم “11/1 /2015“ في فرنسا على الصعيد الفرنسي الرسمي وبحضور رؤساء وزعماء وساسة دول مختلفة، مؤاساة ومؤازرة ودخولاً في عقد دفاعي وثقافي أمني مختلف، إيذان بهذا التحول في منحى التحضير لتفعيل حوار ضد الجاري.

ذلك ما يتوقف على مدى التأثير في المقيمين في أوروبا وغيرها، بنوع من الدخول في حلف آخر، ولفت أنظار الأوروبيين والإعلام الأوروبي وامتداده الأميركي وغيره، على أن الذين نفذوا العملية الإرهابية، درس لهم أيضا، وليس لمن يستضيفونهم في بلدانهم، وهذا يتطلب بذل جهود كبيرة، ومركَّزة على مستويات مختلفة في التنوير الذاتي أولاً من قبَل المثقفين ومن يعنيهم أمرهم في الحالتين، وهم متجاذَبون، حيث الإرهاب لا يعود يسمّي أحدا، إنما يتهدد أياً كان في النهاية “حتى القائم به وأهله”، على الأقل ليشعر الأوروبيون أنهم لم يندموا بعد على واجب الضيافة الذي اعتمدوه في التعامل مع الهاربين من بطش أنظمتهم، وكما يهربون حتى الآن، ويلوذون بهم، قبل أن يجرفنا الطوفان كافتنا.

15