عنف لا ينتهي يلاحق الصحافيين

الثلاثاء 2017/05/09

الصحافيون ليسوا عشّاق مغامرات، ولا حياتهم وأعمارهم مباحة لكي يجدوا أنفسهم في المهب وفي عين العاصفة هكذا بطريقة مجانية.

السلطات في بلدان عدّة تشهد مآسي الصحافيين، وفي نفس الوقت ترى فيهم ثلّة من المغامرين والمشاغبين!

صحافيون غالبا ما يثيرون حنق الساسة وسخطهم وبالتالي يلجأ أولئك الساسة للانتقام منهم بسوقهم إلى المحاكم بتهمة صارت مثل الخرافة اسمها (التشهير) وفي رواية أخرى (القذف وتشويه السّمعة).

الصحافيون المشهّرون القاذفون صاروا فصيلة صحافية عربية فريدة فلا يكاد يمرّ عام ويُحتفى فيه باليوم العالمي للصحافة إلا وكانت الحصيلة تراجيديا مرّة: صحافيون مقتولون، أو مودعون في السجون أو تتم مقاضاتهم في المحاكم أو تعرّضوا للضرب والركل والشّتم والإهانة.

في اليوم العالمي للصحافيين تأتينا الإحصاءات من واحدة من أخطر السّاحات على حياة الصحافيين ألا وهي الساحة العراقية: 55 صحافيا قُتِلوا خلال عام واحد في العراق!

أما عدد الانتهاكات فقد قاربت 400 انتهاك ما بين الحجز والاعتقال والضرب، هنا لا يوجد قانون لحماية الصحافي من تغوّل السياسي، في حالات كثيرة تسبب سياسيّون في إذلال صحافيين وإسكاتهم بسبب ما يمتلكونه من سطوة والمبالغ المالية الضخمة التي طالبوا الصحافي بدفعها على سبيل التعويض.

تراجيديا الصحافيين العراقيين لوحدها تثير العجب، بقرار مفاجئ تُلغى المحكمة المختصّة بقضايا النشر فيُحال الصحافي إلى المحاكم المدنية العادية ويصطف مع الجانحين والمجرمين عند المقاضاة وهنا تختلط الأمور بسبب غياب جهة الاختصاص. وهنالك في المقابل قانون للعقوبات المدنيّة يعجّ بالمواد العقابية التي تطال قضايا الصحافة والنشر وبذلك يُري القضاء (العين الحمراء) للصحافي مسبقا ويجعله يحسب أكثر من حساب قبل أن (يتورّط) في ما لا طاقة له به.

الواقع العراقي اليوم في أمس الحاجة للصحافة الاستقصائية لتحرّي قضايا الفساد وهدر المال العام والسرقة والرشوة وهي التي تشغل الرأي العام والشارع العراقي ولكنّ السؤال: أين هو الصحافي أو الفريق الصحافي القادر علي تحمّل تبعات فتح ملفات خطيرة وحسّاسة كهذه تطال ساسة نافذين وذوي جاه وأتباع وأذرع متعددة في الدولة بما يمكنهم من ردع الصحافي وإيقافه عند حدّه؟

العنف الذي يلاحق الصحافي في العراق بكلّ أشكاله سواء العنف الجسدي أو اللفظي أو التهديد والوعيد بالإيذاء والتصفية صار يشكل ظاهرة متفاقمة، لا سيما وأن هنالك سجلّا حافلا في هذا المجال تتوالى فصوله عاما بعد عام في ظل الغياب التام لقانون يحمي الصحافي من العنف والإيذاء.

في موازاة ذلك صارت هنالك سياقات عمل غريبة ترتّبت على التدخّل السياسي المباشر في عمل الصحافي ومن هذه السياقات ضرورة أن يكتب الصحافي قصصا تلبّي رغبة السياسي وتطربه وتمالي كبرياءه.

إنها حقا مهمة مستحدَثة وغير مسبوقة للعمل الصحافي، وكل ذلك بسبب كون الصحافي يجد نفسه وحيدا في المهب ووسط العاصفة وتحت طائلة أشكال شتى من العنف غير المتوقّع وغير المحسوب الذي يمكن أن يطال الصحافي في أيّ لحظة.

الصحافيون الشجعان مازالوا هنالك يؤبّنون زملاءهم الذين قضوا خلال عمل عام من الشّقاء ويشعلون شموعا للغد مصممّين على إكمال المهمة مهما كانت المصاعب والتضحيات.

كاتب عراقي

18