عن أبو فاعور وقضايا لبنان الصغرى!

الجمعة 2014/11/21

منذ أن كان لبنانُ لبناناً، وأهله منقسمون على “طريقة العيش” في هذا البلد، متفقون على فلكلورها الشكليّ، متنافسون في بيع “اللبننة” للأسواق حسب أذواق الزبائن ومزاجهم. سوّقَ اللبنانيون لـ”سويسرا الشرق” و”الوجه العربي” و”الفينيقية العتيقة”، ثم راحوا بعيداً في التبشير بالتحرير والعروبة والجهاد، كما في التقوقع الكسرواني والعاملي والبيروتي والزحلاوي… إلخ.

اختلف اللبنانيون على هوية وطنهم ومساحات الشراكة في السلطة. ذهبوا إلى الاحتراب في ما بينهم دفاعاً عما يريدونه وظيفة لبلدهم. هم روادُ القضايا الكبرى التي تتعملقُ متجاوزةً تواضع مساحتهم الديمغرافية والجغرافية. منهم خرجت النظريات التي ترومُ للمنطقة أن تكون أمةً سورية أو عربيةً أو إسلامية، ومنهم من كتب في الماركسية فراحت سطورهم تُدرّس لدى الشيوعيين في اليمن والسودان كما في المغرب وعُمان.

في غفلة عن ضجيج ما يتجاوز حدود البلد الصغير، قامت بنى تحتية لبنانية تسعى بما تيسّر لإدارة يوميات اللبنانيين. لم ينتبه أهل البلد كيف نما النظام الصحيّ وكيف جلس النظام القضائي وكيف ترعرع النظام الأمني. اكتشفوا في أتون الحرب الأهلية وجود الدولة (التي لم يلحظوها سابقا) من خلال غيابها في راهنهم. أدرك الناسُ في طوابير الخبز والوقود أن ورشةً صامتة كانت تعملُ في الكواليس لتأمين “الفرجة” التي يتباهون بها.

لكن علاقةَ اللبنانيين بدولتهم بقيت، مع ذلك، ملتصقة بالعناوين الكبرى التي تربطُ البلد بدوائره الإقليمية والدولية. اختار الناخبون برلمانهم، وبالتالي أعادوا إنتاج السلطة في وطنهم، وفق أبجديات سياسية لا تتصلُ ببرامج عيشٍ وتنمية وتقدّم. يكفي تأملُ الاصطفافات الانتخابية منذ الاستقلال إلى يومنا هذا، لنستنتج “الصدفة” التي أنتجت تنميةً وهي الغائبة عن برامج المترشحين. يطرب اللبنانيون لسماع خطبٍ تغني لبنان الرسالة، ولبنان العروبة، ولبنان الجهاد، ولبنان المسيحي، ولبنان التعايش، ولبنان الفلسطيني أو الجزائري أو الكوبي… إلخ، وقلما يأنسون لسجلات تقدّم أرقاما وإحصاءات، أو تثيرهم تمارينُ تأملِ مشاريع النمو وخطط التنمية في التربية والتربة، أو في المياه والطاقة.

و”كما تكونوا يولى عليكم”. تجمّعات هذا، وخطب ذاك، وتصريحات ذلك، تشدُّ العامة نحو الشهادة في القلمون، والوعد بتحرير فلسطين، والإصرار على سيادة البلد واستقلاله، والفخر بالوطنية بطبعاتها المتعددة. لا “8 آذار” ولا “14 آذار” وما بينهما مهتمٌ بإغراء العامة ببرنامج لإعلاء شأن النظام المدرسي، أو بخطة للخروج من فضيحة الكهرباء، أو بحلم لإقرار تأمينات اجتماعية تقي المواطن العوز وتحميه من “أفضال” بارونات السياسة. فكل تلك “الترهات” لا تأتي بصوت الناخب. وحدها القضايا الكبرى منذ “صفين” حتى “يبرود” تقود اللبناني إلى الالتصاق ببطن الزعيم وبطانته. ثم أننا بلد “المبادرة الفردية” والقطاع الخاص، لا تعوزنا دولة تراقب، ولا مؤسسات تحاسب. أوليس هذا سرّ العبقرية اللبنانية وموطن الإعجاز فيها؟

يطلُ وزير الصحة اللبناني وائل أبو فاعور من خارج هذا السياق. يرتكبُ الرجل فضيحة بالكشف العلني عن لوائح المؤسسات غير المطابقة للشروط الصحية. أيقظ أبو فاعورُ اللبنانيين من غفوة. تطلُ الدولة في تمرينٍ نادر لممارسة وظيفتها. لم يعتد اللبنانيون على “تدخّل” الدولة في الكشف عن السموم التي ما برحوا يستهلكونها منذ عقود و“المسلّم الله”، كما لم يعهدوا إماطة اللثام عن المُسمّمين. ثم ما بال هذا الرجل لا يكتفي بإيقاظ مواطنيه على ما لم يألفوه، بل يُربكُ نظرائه في السياسة والحكومة في ما ليس من “الأعراف”. أهو مزاج شخصي، أم نزوة عابرة، أم ضوء لاح في آخر النفق؟

في عام 1970 كُلّف الرئيس صائب سلام بتأليف الوزارة الأولى. شكّل سلام ما أطلق عليه اسم “وزارة الشباب” من شخصيات لا تعرفها المجالس السياسية. في تلك الحقبة كتبت الصحف أن الحدثَ “ثورة من فوق”، فيما تابعَ اللبنانيون، لأول مرة، مناقشة بيان الحكومة الوزاري مباشرة عبر التلفزيون والإذاعة (الرسميتين). خاض سلام وحكومته معارك إصلاحية كبرى بعيداً عن قضايا المنطقة الكبرى، واصطدم الوزراء بلوبيات الاقتصاد والأعمال التي وقفت تقاوم وتصادم (قطاع الدواء خصوصاً) حتى كان لها ما أرادت. ذهبت الوزارة وبقي، ما يسميه وليد جنبلاط اليوم، الحيتان.

لم يدرك صائب سلام، هذا السياسي العريق المحنّك، خطورة المحرّمات التي حاول وحكومته ووزراؤه الشباب المسّ بها حماية للمواطن. تعايش السياسيون مذاك، مخترقين حروباً تلو أخرى، مستسلمين لأيقونة لبنان “القطاع الخاص” بصفتها قدراً وجب الحمد بقدره. وبناء على قدرية ذلك يستنكرُ اللبنانيون اليوم “كفر” أبو فاعور بتلك الأقدار.

مقابل كارثة تناول اللبنانيين لتلك القذارات، يخرج العبقري اللبناني بحجج عتيقة تراكم عليها غبارٌ كثير. من تلك الحجج المناداة بالستر. والستر طريق لـ”لفلفة” الأمور وتدويرها. في ذلك وجهة نظر، ذلك أن كيمياء البلد منذ نشوئه تقوم على تلك الحرفة وحذاقتها بصفتها فن في السياسة وحماية لمخالب التعايش. في الحجج أيضاً أن الفضيحة تطيح بفلسفة الأعمال، والعمالة، والعمل الصالح. وعليه فإن الاستهتار بصحة البشر هو ضرورة، ربما، لتحسين أرباح “البزنس”، وبالتالي تشغيل البشر. في ذلك وقاحة في الدفاع عن أخلاقية المنشأة الاقتصادية من حيث أنها مورد ازدهار ونمو وتقدم. وفي الحجج أيضاً قلقٌ من تأثير الفاجعة على السياحة في لبنان. صحيح أن تلك السياحة لطالما أطاحت بها الحروب الإلهية وغزوات الإرهابيين، لكن ذلك أمر “مفهوم” من ضمن إطار القضايا الكبرى التي يهواها اللبنانيون، وأنه الأجدى أن تبقى حكومات لبنان “تستهبل” مواطني البلد وسواحه، طالما “الشغل ماشي”.

في “فعلة” أبو فاعور كشفٌ آخر عن جريمة “تطنيش” حكومات العقود السابقة، بما فيها تلك التي كان الفريق السياسي لوزير الصحة الحالي مشارك فاعل فيها، عن القيام بمهامها الرقابية، وإحراجٌ لباقي وزراء الحكومة الحالية لعدم الذهاب مذهبه الإصلاحي الطموح.

وفي “فعلة” أبو فاعور كشفٌ لكل الطبقة السياسية اللبنانية الحالية. بدا سياسيو كافة المشارب مرتبكين متردّدين غارقين في حيرة (المتواطئ) محرجين في دعم ما خرج به وزير في حكومة “الوحدة الوطنية”. استدعى الأمر تدخلا شخصيا علنياً داعماً من قبل وليد جنبلاط لعدم استفراد أبو فاعور في معركته التي باتت على جبهتين، داخل الحكومة وخارجها.

تعايش قطاع “البزنس” في لبنان مع أنواء لبنان الدراماتيكية الصاخبة. بل أن ذلك القطاع تأقّلم مع أزمات البلد الأمنية والمالية ودجّنها لصالحه، فخرج منها رابحاً لا تقلقه عيون الدولة ولا يزعجه حراسها. اختلف السياسيون في ما بينهم حتى الاحتراب، فيما تكامل أهل البزنس مع الطبقة السياسية، فرّعوها واخترقوها وموّلوها وحوّلوها مطّية تعمل لحسابهم وتُدافعُ عن مصالحهم.

لا شيء غير الصباح الذي أطل فيه وائل أبو فاعور يوحي بتبدل قواعد اللعبة. ستُستخدم كافة العدّة اللبنانية للدفاع عن “لقمة عيش” المواطن اللبناني وعن “أمان” العمل الحرّ في البلد. ستُدافع الطوائف عن بارونات المال لديها. ستصادرُ القضايا الكبرى الراهنة والقادمة المسائل “التافهة” العرضية الأخرى. وسيبقى الساسة مختلفون متناقضون حول انتخاب رئيس للجمهورية، بصفتها قضية كبرى يروق للبنانيين التناتش حولها، فيما سيتواطئون جميعاً في وأد ما هو “هامشي” لا يطال المستقبل العظيم للأمة.


صحافي وكاتب سياسي لبناني

8