عن أحوال القوى الرديفة في العراق

الثلاثاء 2016/11/29

لم يشهد تاريخ أسخف دولة في العالم ما شهدته الدولة العراقية، وتشهده من قوى رديفة، من نصف القرن الماضي حتى اليوم. فالعراق هو الدولة الوحيدة التي أنجبت هذا الاختراع العظيم، ودفعت أثمانه الباهظة من أبنائه ضحايا الاقتتال بين تلك القوى الرديفة وبين خصومها.

فقد ظهرت في أواسط خمسينات القرن الماضي تقليعة “المقاومة الشعبية” التي برر استحداثَها مخترعوها بأنها قوة رديفة للجيش الوطني في دفاعه عن “منجزات الثورة وحماية للشعب من أعدائه الرجعيين والإمبرياليين والصهاينة، وطوابيرهم الخامسة”، لكن لم يطل الوقت بتلك القوة حتى تحولت إلى سلطة فوق سلطة الجيش والشعب والدولة، وأباحت لنفسها سلطة السجن والاغتيال بحق من تشك في ولائه “للديمقراطية والاشتراكية”، الأمر الذي دفع بداعمها وحاضنها عبدالكريم قاسم نفسَه إلى نعتها بأنها “فوضوية”، وأجاز الفتك بها وبقادتها وأفرادها جزاءَ ما ارتكبوه من اعتداءات على الشعب والجيش.

ويذكر الذين عاصروا النهاية المحزنة لتلك “القوة الرديفة” كم سالت دماء، وكم خسر الوطن من أبنائه، ومنهم أصحاب كفاءات وقدرات خلاقة أنفق الشعب العراقي على تعليمهم وتأهيلهم من قوت عياله الكثير.

ولعل أخطر أضرارها ما ألحقته بوحدة المجتمع من تشققات وتكسرات، وبهيبة الدولة، وبسمعة المواطن العراقي الذي تحول في نظر العالم الخارجي إلى نموذج للإنسان العنيف الدموي المتوحش الذي يَسحل الموتى في الشوارع، ويعلقهم على أعمدة النور.

ثم حين تمكن خصومها من إسقاطها وإسقاط النظام الذي احتضنها عاودت تقليعةُ القوة الرديفة ظهورَها مرة أخرى في زمن البعثيين في انقلابهم الأول عام 1963، باسم الحرس القومي الذي برر وجودَه مخترعوه بأنه رديف للجيش الوطني، للدفاع عن “منجزات الثورة وحماية للشعب من الرجعيين والإمبرياليين والصهاينة وطوابيرهم الخامسة”، أيضا.

ثم أعاد التاريخ العراقي نفسه مرة أخرى في أيام البعث العائد إلى السلطة عام 1968. فقد عمد أصحاب القوة الرديفة الجديدة إلى اختراع جيوش جديدة أقوى أكثر تسليحا وتدريبا ورفاها وبذخا من الجيش الوطني نفسه، وأعلى سلطة في الدولة والحزب معا، ومنها الحرس الجمهوري، وفدائيو صدام، والمخابرات، وأصدقاء الرئيس. حتى صار أي مسلح من “سقط المتاع”، أمي جاهل همجي، كل شرفه وجبروته أنه يحمل شارة أحد تلك الجيوش الرديفة، قادرا على سحب أكبر قائد عسكري أو حزبي من أذُنيه، بتهمة سب الزعيم والحزب والثورة، فحق عليه القول.

وفي جميع حالات القوى الرديفة المتعاقبة كان الحديث يبدأ دائما عن قيم عليا وأهداف وطنية سامية، ثم ينتهي بالتعالي على الحكومة، والتسلط على الشعب والجيش، وبسوْق الناس بالعصا والمسدس والسوط، ونهب وسلب منازل عباد الله، وبثياب الدولة الرسمية وأموالها وسلاحها.

واليوم، يتأكد لنا أن الناس لم تقرأ ذلك التاريخ الأسود، وكأنها لم تأخذ العبرة مما حل بالقوى الرديفة السابقة من نهايات مؤلمة محزنة، ولا مما جرَّت على نفسها وشعبها ووطنها وجيشها من مصائب وويلات.

ألم تسمعوا رئيس وزراء المصادفة والقائد العام للقوات المسلحة حيدر العبادي وهو يبارك لأبطال الحشد الشعبي، ويهنئ الشعب العراقي (الإيراني فقط) بإقرار القانون الجديد الذي قال عنه “إن هؤلاء المقاتلين الأبطال من شباب وكبار السن يجب الوفاء لتضحياتهم التي قدموها وهو أقل ما نقدمه لهم”. “وإن هذا لم يكن ليحلو (وليس يحلو) لجماعات الفوضى التي عرقلت تمريره طوال هذه المدة”. “ولكن انتصرت الإرادة الوطنية”. “هنيئا للشعب العراقي وللمقاتلين الأبطال، وللأمهات والعوائل الذين قدموا فلذات أبنائهم (وليس أكبادهم) للدفاع عن الوطن والمقدسات”.

أكثر ما يهمنا أن القانون الجديد نص على “اعتبار فصائل وتشكيلات الحشد الشعبي كيانات قانونية تتمتع بالحقوق وتلتزم بالواجبات باعتبارها (قوة رديفة) مساندة للقوات الأمنية العراقية”. كما يخول للحشد “حقَ استخدام القوة اللازمة، والقيام بكل ما يلزم لردع التهديدات الأمنية والإرهابية التي يتعرض لها العراق، وكذلك لتحرير المدن من الجماعات الإرهابية، وحفظ أمنها والقضاء على تلك الجماعات الإرهابية، وعلى كل من يتعاون معها وتحت أي مسمى كان”.

هنا مربط الفرس. فإن هذا القانون يعطي للحشد حرية تفسيره للتهديدات الأمنية والإرهابية التي يتعرض لها العراق. ويعطيه تقدير حالات حفظ أمن المدن التي تحررت من الجماعات الإرهابية. وهذا ما سوف يجعل أبواب جهنم جاهزة لكي يفتحها الحشد على مصاريعها، على من يريد، وساعةَ يريد.

فإذا لم يكن في مقدور الجيش والقوى الأمنية والمخابرات المدنية والعسكرية، أن تحفظ أمن المدن المحررة وتحمي الوطن، وتصون الشرف، فلمَ الجيش، ولمَ الأمن والشرطة، ولمَ المخابرات، ولمَ الحكومة، ولمَ البرلمان، ولمَ رئيس جمهورية يأكل وينام، ثم يُفيق ليأكل وينام؟

في أيام القائد الراحل صدام حسين حُكم بالسجن خمس سنوات على مواطن رأى (في ما يرى النائم) أن انقلابا عسكريا قد حدث في العراق. وعلق القاضي (البعثي) على ذلك بأن المتهم لو لم يكن يفكر في الانقلاب ويتمناه لما رآه في منامه، وهذا “تهديد أمني وإرهاب يتعرض له الوطن”. فمن يضمن ألا يَحكم الحشدُ الشعبي على مواطن سني أو شيعي، عربي أو كردي، مسلم أو مسيحي، بالسجن أو الشنق، لأنه رأى في ما يرى النائم أن العراق تخلص من سلطة الولي الفقيه، ومن قاسم سليماني وهادي العامري والخزعلي والمالكي وحيدر العبادي وإبراهيم الجعفري وعمار الحكيم؟

ومن الذي يقرر حدود سلطة الحشد، ومن الذي يضبط حركته وسكونه، ويحدد له مواصفات التهديد الأمني والإرهاب، وهو أعلى سلطة، حتى من رئيس الجمهورية الذي سارع، خوفا أو انتهازية أو نفاقا، إلى التصديق على القانون في طرفة عين؟ وأقوى من رئيس الوزراء الذي أعلن نائب قائد الحشد الشعبي قبل أسابيع أنه “سلم جميع الملفات الأمنية للقائد الأعلى قاسم سليماني”، وهو الذي يُمسك بـ(خوانيق) الرئيس ونوابه وكل من تحت قبة البرلمان؟

الطريقة التي شرع بها نواب التحالف (الوطني) ذلك القانون، وحدها، دليل قاطع على أن الوطن قد ضاع، وأنه أصبح تحت عباءة الولي الفقيه، وأن أصحاب براءة اختراع الحشد وموجِّهيه ومُسيريه، قرروا غلق الباب نهائيا على أي مصالحة وأي تسوية، مع العراقيين غير الموالين لإيران، وغير الشيعة، وغير العرب، وغير المسلمين.

فهو إعلان حرب تحت الحزام، من وراء الحجُرات، وتحت الأرض، بين هابيل وقابيل. ولو استطاع الجيش العراقي، بقوة الدعم الدولي، أن يهزم داعش الواحدة اليوم فمن يضمن ألا تكون في انتظارنا دواعش أخرى عديدة، أخطر وأكثر همجية وتوحشا ودموية؟

ألم تسمعوا مُفرق الإخوان، وبائع الأوطان، نوري المالكي يصف قانون الحشد الشعبي بأنه “إنصاف لمن لبى النداء دفاعا عن العراق، منذ اللحظة الأولى لانطلاق المؤامرة التي كانت تستهدف تمزيق وحدة البلاد”؟ بعد أن تتحرر الموصل وكل المدن والقرى من داعش، ماذا سيفعل الحشد وكم سيطول به العهد وكم سيُنفق الشعب العراقي عليه؟ يقول رئيس هيئة الحشد فالح الفياض “إن الحشد الشعبي ليس لفئة معينة، ولا يستهدف أحدا، وهو رديف للجيش العراقي”. و”هو حشد وطني يدافع عن العراق، ويمثل تجربة فريدة في التلاحم الوطني”. إذن فلننتظر معارك “التلاحم الوطني” الآتية على الطريق.

كاتب عراقي

8