عن أسس الإيمان

الاثنين 2015/03/02

منطلق الإصلاح واضح، نحتاج إلى إصلاح الخطاب الديني أولا وعاجلا. دون هذا الإصلاح ستطول معركتنا ضدّ التطرّف الديني وقد لا نربحها في الأخير. علينا ألا ننسى أنّ الخراب يطال الأذهان قبل أن يشمل الأوطان. والآن، واعتمادا على هذا المنطلق، من أين نبدأ؟

البدايات الممكنة عديدة ومتعددة لكنها مجرّد مواضعات في الأخير. لذلك، سأقترح نقطة بدء تبدو مناسبة: أزمة الأسس التي نعاني منها اليوم في مسألة الإيمان تضعنا أمام ضرورة العودة إلى الأسس نفسها. ويتعلق الأساس الأول بعلاقتنا بالخالق. هذا ليس أمرا هيّنا أو متعاليا، ولا هامشيا أو مفارقا، بل هو البداية الأكثر عمقا ودقّة. لماذا؟ لأنّ العلاقة التي يقيمها الإنسان مع خالقه تنعكس مباشرة على علاقة الإنسان بسائر المسائل والقضايا الأخرى، العالم، الطبيعة، الزّمان، الوجود، الحياة، وتنعكس بالأحرى على علاقة الإنسان بأخيه الإنسان. وكما قلنا ونقول دائما، تبعا لصورة الخالق لدى الخَلْق يكون الخُلُق.

وبالجملة، فكما تكون علاقتنا بالله تكون علاقتنا بعيال الله. والسؤال الآن، كيف هي علاقتنا مع الله؟ لعل استقراء بسيطا لمناهج التعليم الديني وخطب الجمعة والبرامج الوعظية في الكثير من المجتمعات الإسلامية يجعلنا نستنتج بأنّ علاقة المسلم بخالقه تتسم بطابع الخوف، الخوف من غضب الله، الخوف من انتقامه، الخوف من عقابه. ورُبّ سائل يسأل، هل ثمة من خيار آخر أمام الإنسان سوى أن يكون خائفا مرتعبا أمام عظمة الله؟ هل يمكن أن تكون علاقتنا مع الله قائمة على شيء آخر غير الخوف؟ أليس جديرا بنا أن نُعلّم الأطفال الخوف من الله حتى يصبحوا مهذّبين ومنضبطين؟

أعرف أنّ بعض الأمنيين في العالم يرى في الأديان فرصة لضبط الشباب وتهذيب القاصرين. لكن هؤلاء لا ينتبهون في العادة إلى السؤال: بأي معنى، بأي خطاب، بأي تصوّرات نقدم الدين للشباب وللقاصرين؟ ولنستحضر الحسابات الأمنية ثم نتساءل، هل قاد الخوف من الجحيم إلى تراجع نسبة الجانحين وسجناء الحق العام؟ ولنستحضر الرؤية التربوية ثم نتساءل، هل قاد الخوف من الجحيم إلى تقليص نسبة الكذب والغش والسرقة والرشوة والجريمة في المجتمعات المتديّنة؟ أحيانا تواجهنا معضلة تتعلق بالسذاجة المفرطة، وذلك حين يعود الطالب من فترة غش في الامتحان ثم يشعر بأنه في أعلى منازل الأخلاق لمجرّد تقبيل رأس أمه مثلا. لنكن واضحين وصرحاء حين نتكلم عن الأخلاق يجب أن نحدد ماذا نقصد بتلك الكلمة الرّنانة؟ إنّ الأخلاق بالمعنى الحداثي هي أخلاق معقلنة، مؤطرة للفضاء العمومي، وقابلة للقياس والتقييم.

يختلف الأمر بالنسبة إلى قيم القدامة. فأنت مثلا قد تكرم ضيفك في بيتك، وقد تبرُّ بوالديك، وقد تزيل الأذى من الطريق، لكن هذه الأفعال غير قابلة للقياس. إذ كثيرا ما يحدث سوء تفاهم حول معنى الكرم حول دلالات البر وحول طبيعة الأذى. وعموما تندرج كل هذه المسائل ضمن آداب السلوك الخاص، والتي هي مسألة تقديرات تغلب عليها الأهواء في كثير من الأحيان. أمّا أخلاق الفضاء العمومي فهي شيء آخر. مثلا فإن الالتزام بالمواثيق والاتفاقيات والمسؤوليات والواجبات والالتزامات والعقود والعهود والحفاظ على النزاهة والمصداقية والشفافية، يندرج كل ذلك ضمن القيم المُعقلنة والمؤطرة للفضاء العمومي. المشكلة أننا نعيش حالة تضخم في آداب الفضاء الخاص (آداب قضاء الحاجة، آداب النكاح، آداب الطريق) وهذا على حساب إهمال شبه كلي لأخلاق الفضاء العمومي.

بل الكثير من المفاهيم الأخلاقية الكبرى والمؤطرة للفضاء العمومي قد انحسرت في دائرة آداب الفضاء الخاص. من ذلك على سبيل المثال، مفهوم الفساد، والذي هو حتى بالمعنى القرآني شامل للجرائم التي تهدد العمران البشري، قد انحسر داخل معظم المجتمعات الإسلامية في نطاق ما يسمّى بالزنا. ما ينمّ عن فقر أخلاقي مدقع.

والآن، أمامنا ثلاثة أسئلة، الأول له خلفية فلسفية، والثاني له خلفية دينية، والثالث له خلفية أمنية: أوّلا، هل الخوف يضمن الأخلاق؟ ثانيا، هل الخوف يضمن الإيمان؟ ثالثا، هل الخوف يضمن الأمن والأمان؟

عن السؤال الأول نقول: هناك درس أساس في الفلسفة المعاصرة، تبلور منذ هيجل: حين نتحدّث عن الأخلاق، يجب التّمييز بين أخلاق النّبلاء وأخلاق العبيد. لهذا التمييز جذور في فكر الأنوار منذ اللحظة التي جعل فيها سبينوزا وروسو وكانط حرية الإنسان أساس النظام الأخلاقي؛ طالما أن الفعل الأخلاقي نابع من ضمير الإنسان، أي من العقل الأخلاقي الموجود داخل كينونة الإنسان.

الأخلاق مسألة طبيعية وفطرية، وكل ما هو طبيعي وفطري يحتاج إلى الحرية. أليس يقال عن الإسلام نفسه إنه دين الفطرة؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل تحتاج الفطرة إلى العنف والتسلط والرّقابة والعقاب، أم أنّها تحتاج فقط إلى حرية الوجدان حتى تعبر عن نفسها؟

الإجابة واضحة، لكن هناك سؤال معلق، إذا كان الإنسان كائنا أخلاقيا بطبعه فما مصدر الفساد الأخلاقي؟ لماذا يوجد الكذب والنفاق والخداع والمكر والاحتيال؟ الإجابة أبدعها وأبدع فيها هيجل: هذه هي أخلاق العبيد التي نشأت عبر التاريخ جرّاء الاستسلام للخوف. والطامة الكبرى أن ذلك الخوف تحوّل إلى قيم ثقافية كما توضح الرؤية النيتشوية. بمعنى أن الخوف الذي هو انفعال قد يصدر عن الإنسان في بعض اللحظات، ويجب أن تعمل أنظمة التنشئة الاجتماعية على كبحه، تحول في الأخير إلى بنّى ثقافية ومؤسسات اجتماعية تحضنه وترعاه وتستثمره وتورثه للأجيال. إن الإنسان لا يكذب بالطبيعة، لكنه يكذب لأنه خائف. إنه لا ينافق ولا يخادع ولا يغش بنحو اعتيادي وطبيعي، لكنه يفعل ذلك حين يسيطر عليه الخوف. لذلك كان سقراط يربط بين الحكمة والشجاعة. الشجاعة عنده شرط الحكمة. بل الشجاعة عند جل فلاسفة اليونان هي أم الفضائل.

والآن، بخصوص السؤال الثاني، ماذا عن الإيمان، هل يضمنه الخوف؟ العكس تماما، لا نرى من الإيمان اليوم غير مظاهر الخوف والعنف والزّيف والتزلّف. لأنّ الموقف الذي يُبنى على الخوف لا يصمد إلاّ باستمرار حالة الخوف. ولكي يبقى الخوف قائما يجب أن تبقى منابع الخوف قائمة. ألم يقل المتنبي “لا تشتر العبد إلا والعصا معه”؟ تحتاج الطاعة القائمة على الخوف دوما إلى العنف والتهديد به حتى تدوم وتستمرّ. إنّ الإيمان القائم على الخوف هو قائم على أرضيّة هشّة، لأنّ الخوف مجرّد انفعال، والانفعالات متغيرة تزول بزوال أسبابها. فالإنسان لا يكون خائفا طول الوقت إلا إذا بقي مصدر الخوف شاخصا أمامه. وهذا ما تراهن عليه استراتيجيات العنف الديني، أن يبقى مصدر الخوف شاخصا أمام الناس. لكن، هل هناك شيء آخر غير الخوف يمكن أن يُبنى عليه الإيمان؟

قبل الإجابة، ماذا عن السؤال الثالث؟ هل يضمن الخوف تحقيق الأمن والأمان؟ الأمر واضح إذا راهن المجتمع على عامل الخوف في بناء أمنه وأمانه، فإنّ الأمن يصبح هشا وقابلا للانهيار؛ لأنّ الخوف ينتج الحقد والحسد والعنف والتطرّف. وبعد أن تتراكم هذه القيم السلبية تأتي ساعة الانهيار.

ما البديل عن الخوف؟ إذا كنتَ تخاف الله فأنا أطرح عليك السّؤال: ما سبب خوفك من الله؟ فتقول: النار، الجحيم، الحساب الأخروي، لكنك إذا كنتَ تحبّ الله فأنا لا أستطيع أن أطرح عليك السؤال: لماذا تحبّ الله؟ لا سبب للحب لأنّ الحبّ هو السّبب. إذا أنشأنا أبناءنا على حب الله فإنهم حين يكبرون، سواء بقي إيمانهم أو اختفى، سواء عظم اعتقادهم أو انتفى، سيستمر ذلك الحبّ الإلهي الذي اكتسبوه، وسينعكس على سائر مناحي حياتهم. فمن أحبّ الله سهُل عليه أن يحبّ عيال الله، ومن خاف من الله سهُل عليه أن يمقت عيال الله، لأنّ المرتعب لا يحبّ، ومن لا يحبّ الله الأحد لن يحبّ أيّ أحد.


كاتب مغربي

8