عن أم الإرهابي، وأم يهوذا

الخميس 2015/11/19

على إثر أحداث باريس الأخيرة التي هزت العالم، نشرت صحيفة الإندبندنت البريطانية تقريرا أوردت فيه تصريحات لأم أحد من المتهمين الرئيسيين في عملية المسرح التي راح ضحيتها أكثر من 80 شخصا. الصحيفة استغربت دفاع الأم عن ابنها الذي فجّر نفسه أمام مبنى المسرح، ناقلة عنها قولها إن ابنها لم يكن يقصد قتل أحد، وأنه قد يكون انتحر بسبب الاكتئاب. وقالت الصحيفة إن الأم ذكرت أيضا، أنها رأت ابنها قبل يومين من تنفيذه العملية ولم يكن يبدو عليه ما يوحي بأنه مقدم على عمل شنيع كهذا، وقالت الأم، حسب الصحيفة، إنها متأكدة من أن ابنها لم يكن يقصد إيذاء أحد، وأن انفجار حزامه لم يقتل أحدا غيره، وهذا، حسب رأيها، دليل كاف على حسن نيته.

مواقع كثيرة تناقلت تقرير الإندبندنت، الذي انهالت التعليقات عليه، بالسب والشتم والتجريح في هذه الأم التي “لم يكفها أن تربي وحشا آدميا”، بل وأيضا تبحث له عن تبريرات، وتسوق الأعذار وتفتعل الحجج، من أجل إظهاره في مظهر البريء، أو المحبط، الذي قتل نفسه ضعفا واستسلاما وهروبا.

هل يذكرهم هذا الموقف بشيء مشابه؟

هل تذكرون أم يهوذا؟

لقد فعلت الشيء نفسه مع ابنها حين اتهم بخيانة يسوع فقالت: ورجائي إليك ألا تزيد من سؤالي عن ابني. لقد أحببته وسأظل أحبه إلى الأبد، ولو أن الحب يخالط اللحم، إذن لكويته بأسياخ من الحديد ملتهبة لأنال السكينة، غير أن الحب يخالط الروح، وما نحن ببالغيه. والآن ما أحب أن أضيف مزيدا، أمض وأسأل غيري من النساء اللواتي لهن من الشرف ما ليس لأم يهوذا، امض إلى أم عيسى فهي بدورها تحس بوقع السيف في قلبها، وسوف تحدثك عني وسوف تعي. (من كتاب عيسى ابن الإنسان لجبران خليل جبران، صفحة 226).

هل نلوم أما على حبها لابنها؟ الذين يفعلون أغبياء، والذين شتموها وحطوا منها أغبياء أيضا، وأولهم صحيفة الإندبندنت، فالأم هي الأم، سواء كانت أم قاتل أو أم راهب قديس. لأن الأمومة لا تفرق بين ابن عاق وابن بار، ذلك أنها ترى بعين القلب وحده، بعين الأعمى الذي يدرك كنه الحب ولا يراه. ماذا كانت الصحيفة تنتظر منها تحديدا، أن تدينه؟ تشتمه؟ تتبرأ منه؟

لا شيء يبرر الإرهاب، فهذا أبشع انحطاط وأفظع ما وصلت إليه الإنسانية من عنف وجاهلية، ولا شيء يغفر لابن هذه المرأة ما فعله بأرواح الأبرياء، فهو مذنب مذنب مذنب، لكن أرجوكم ابتعدوا عن أمه، واسألوا من تشاؤون. أن يدين كل البشر ابن هذه المرأة فهذه هي الحضارة بعينها، وأن تبرّئه أمه وحدها، فهذا هو الإنسان بعينه.

21