عن أُمي وعن أمّهاتنا

الخميس 2014/05/01

مثلكم، أنا أيضاً أحبُّ أمي، وحبي لها ليس مجرّد وسواس أوديبي أو هوس فطامي. فإنّ أمي كانت ولا تزال تجدُني كلّما ابتغت مني طلباً أو مطلباً. أكثر من هذا، بذلتُ قصارى جهدي لكي لا يهجرها والدي، حاولتُ إقناعها بأن لا تدع جسدها يذبل على وجه السّرعة كما معظم الأمّهات، حاولتُ إقناعها بأن تبقى مفعمة بالحيويّة والحياة حتّى لا ينظر أبي إلى غيرها، تكلّمتُ معها في أدق التّفاصيل خصوصيّة كما لو كنّا أصدقاء، وفي كل مرّة كان يصدمني تخشّبها.

كم كنتُ أحزن عندما أرى صور شبابها بالتنورة الجميلة وتسريحة الشّعر المتحررة ووجهها يداعب نسمات الهواء في الهواء الطلق، كم كانت أمي فاتنة بالفعل ! وكم كنتُ محظوظاً بأن أرضع من ثذي امرأة جميلة البشرة والقوام. كنتُ مدركاً بأنّ فعل الزّمن في الشيخوخة هو أقل بكثير من أفعال البشر. وكان أبي كثيراً ما يستشيط غضباً حين يراها غارقة في فضائيات شيوخ الفتنة والتعاسة. والحقّ يقال، كان أبي قد دفع ثمن ثقافة البُؤس والعبوس عندما لم تعد أمي تستقبله بنفس القُبلة الرّطبة التي كانت.

كم حرّضتُ أمي على المقاومة، مقاومة الزّمن، مقاومة اليأس، مقاومة ثقافة الموت التي تزحف على أجساد أمّهاتنا وأخواتنا وعمّاتنا وخالاتنا، فلا تترك أجسادهنّ إلا وهي ذابلة لا تصلح لشيء آخر عدا قبلات الأبناء على الجبين، كما لو كانوا يقبلون الحجر الأسود. كم شرحتُ لأمي ضرر شيوخ الموت على الأحياء وكيدهم على النساء، وكيف أنّهم يكرمون المرأة بكفن الوقار الكاذب، ويكرمون الرّجل بزواج ثان أو ثالث أو رابع ومع صبيّات في عمر الزّهور. غير أني فشلتُ في الأخير، فقد أصرّت أمي على “شيخوخة” لا مكان فيها لغير الصّوم والصّلاة وتلاوة القرآن آناء الليل وأطراف النّهار، قبل أن تفقد ملذّات الحياة وتهجر أبي في المضاجع؛ لرّبما تأتي ساعة الموت قبل الصّباح فتذهب عند الله “طاهرة مطهّرة”. وهكذا بدأت رحلة الكآبة والرّؤى السوداوية، قبل أن يُقرر والدي أن يهجر بيت أمي في الأخير.

كم أحبّك يا أمي، كم أشفق عليك؛ لأَني أدرك بأنّك خسرت المعركة ضدّ ثقافة كاسحة يُرعبها جسد المرأة فتغتصبه منذ الطفولة، وتعلن ذبوله مبكراً، وتنعيه قبل الأوان، لكني ألومك فقط لأنّك لم تقاومي طويلاً، ولعلّك لم تقاومي أبداً. رغم ذلك، أحبّك، وسأبقى أحبّك، وأدعو الله أن تعودي إلى الحياة قبل أن تدنو ساعتك. فليس عيباً أنّنا سنموت يوماً، هذا قدرنا، لكن العيب كل العيب أن نسبق القدر، فنقرر الموت قبل أن نموت فعلاً.

24