عن إسلام الثورة.. وإسلام الجهاد

الاثنين 2013/12/02

للثورة الشعبية إسلامها الشعبي؛ فهو جزء من عاديات حياة الأفراد، فبِه يتنفسون ويتخلقون ويخشعون، وهو يحثهم على العيش مع بقية المذاهب والطوائف، وهو الذي جعل الدين أمراً شخصياً أو مجتمعياً خاصاً بالصلاة وبطقوس العبادة، ولكنه لا يتجاوز ذلك، وإن تجاوز فهو مقتصر على أثره في قانون الأحوال الشخصية، وتحديداً موضوع الزواج، حيث السيادة للإسلام فيه. لا شيء أكثر من ذلك، فلم يكن الدين أساس الثورة ولن يكون منتهاها. فهو سيستمر كما كان قبل بدئها وبعد انتهائها؛ وبالتالي كثير من الحداثيين خرجوا من الجامع مع الناس للمشاركة بالثورة، وكان شيخ الجامع والمصلين بمعظمهم يعلمون ذلك، فكان الانسجام قائما بين الثورة والإسلام الشعبي.

إسلام الجهاد أمر مختلف تماما؛ فهو ينقل الوعي والممارسة، من فهم للدين يتوافق مع العصر، إلى فهم يعود للماضي، وضد العصر، فتصبح الثورة أداة للاستغلال، لا أداة لبيئة اجتماعية اقتصادية جديدة، لا يتغير موقع الدين فيها، بل وربما يصبح أكثر شعبية، بإبعاده عن الدولة والسياسة والتعليم، ودمجه بكل ذلك من زاوية الثقافة والمرجعية التراثية، مع احترام لكل ما يخص إيمان الأفراد، وجعله أمراً خاصاً بهم، ولا يتطلب لا تدخلاً من الدولة ولا دعماً منها.

الجهاديون والتكفيريون لا يعترفون بالإسلام الشعبي، فهو خاطئ وجاهلي ومسيء للدين؛ هم يرون الناس جاهليين وعليهم التوبة والعودة لصراطهم المستقيم، وبالتالي لابد من إقامة المجتمع الإسلامي أو الإمارة الإسلامية وتحكيم شرع الله، أي أن يتسلطوا على المجتمع ويتحكموا فيه، ويعلموا الشيخ المسن وبقية المجتمع أصول الدين، بعد كفر وجاهلية غبية، كانوا فيها.

إسلام الجهاد لم يظهر في الثورة الشعبية السورية، إلا بدفع من قبل النظام، وبدفع ممنهج من دول إقليمية. من جهة النظام، ليحيّد قطاعات شعبية عن الثورة. ومن جهة الدول الخارجية، لأنها تريد تصفية حساباتها مع النظام وإيران وحزب الله. ولكن هل البنية المجتمعية عصية عن الجهادية؟

قطعا ليست عصية، ولكنها قطعاً لا ترحب بها ولم تتوسع فيها أصلاً، وتأخر ظهور الجهادية رغم عنف النظام، بل وإن وجود بؤر سلفية من قبل، وعدم قدرتها على تطييف الثورة بداية، يدلل أن الثورة شعبية، ولا علاقة لها بهذا النمط السياسي من التأسلم.

منذ ظهرت جبهة النصرة ولاحقاً داعش، أصبحت الثورة الشعبية تعاني الأمرين، فقد سُحقت باسم الحرب على الإرهاب، بينما النصرة وداعش تُركت للعمل، وكأنها تحقق مآرب النظام في أسلمة الثورة وتحويلها لمجموعات إرهابية وإمارات سلفية، وهو ما قاله النظام عن الثورة منذ أيامها الأولى؛ النصرة تريد خلافة إسلامية، وداعش أختها في تنظيم القاعدة تريد المبتغى ذاته.

إسلام النصرة وداعش لا علاقة له بالثورة، وهو مجرد إسلام جهادي متطرف، لا يقبله السوريون، كما لا يقبله أي مجتمع في أي مكان في العالم؛ ويجد لنفسه مكاناً حينما تخرب البلاد وحينما تكون الحرب قائمة. بغياب ذلك، تتحول تلك المجموعات إلى مجموعة هامشية، وإن كانت لا تزول نهائياً.

الإخوان المسلمون والجبهة الإسلامية التي نشأت مؤخراً لا يختلفان أبداً، فقد رحبت حركة الإخوان بها، ليظهر لنا عقم تطور الإسلام السياسي نحو الحداثة، وافتراقه عن قيم العصر الحديثة، أي قيم المواطنة والديمقراطية والدنيوية، والغلو بفكرة تعليب المجتمع وقيمه المعاصرة ضمن رؤية ماضوية، تضع كل ما يحدث بسياق بعث الدولة الإسلامية، أي أسلمة الثورة وسوريا. هذا غير ممكن لدى المسلمين قبل غيرهم، وليس ممكناً فالثورة شعبية وتريد الوصول لأهداف متعلقة بحياة أفضل لكافة السوريين، اقتصاداً وحريات وعدالة اجتماعيةً، بل وتحرراً أكبر لدور المرأة في المجتمع، وبالتالي هناك محاولة تسلط يقودها الإخوان المسلمون والجماعات الجهادية على الثورة والمجتمع، وهو ما يرفضه الشعب ولا تقوده سوى لمزيد من الإرباك في تحقيق أهدافه وتساهم فيما أراده النظام. ولكن هل الشعب بقي على حالته حينما بدأ ثورته؟ ألم يزدد أسلمة أو تدينا؟ الواقع يقول بأن طائفية سرت بين أفراد الشعب من ثائرين وموالين، ولكنها لم تصبح جهادية كما حال الجهاديات السابقة.

سطوة السلاح بين أيدي الجهاديات (النصرة وداعش)، قد تخلق وهم الجهادية المجتمعية، وربما محاولات الإعلام تشتهي وترغب بذلك. ولكن الشعب بأغلبيته خرج ضد الجهادية. إذن هناك طائفية نسبية وبسيطة وهي طارئة وليست أصيلة، وهي ستتوقف بمجرد توقف الحرب، وستنتهي بمطالب متعلقة بمحاكم لمن مارس قتلاً وتعذيباً وسواه. المجتمع كما رفض النظام سيرفض الجهادية. وكما كان في بداية ثورته يصالح بينها وبين إسلامه الشعبي، فإنه الممكن الوحيد الذي سيتقبله.

الإسلام الشعبي هو نتاج تطورات التاريخ القديم والحديث لسوريا، وستبقى الجهادية والطائفية الطارئة، حالة مؤقتة، وستزول بزوال النظام الحالي، وبانتقال سوريا إلى دولة ما بعد السلطة الحالية.


كاتب سوري

9