عن استعادة تدمر وإعادة تأهيل الأسد

الأربعاء 2016/03/30

يقول الشاعر السوري حازم العظمة عن “معركة” النظام لاستعادة مدينة تدمر من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية، “داعش” متهكما:

“هناك ضعف شديد في الإخراج.. الصور التي وصلت عن «معركة» تدمر الرهيبة.. تذكّر بصور المناورات التي كان يُتحف بها التلفزيون السوري المواطنين على مدى خمسين سنة.. لا أثر لعدو مرئي.. مع ذلك الذخيرة تُبذل بكرم عظيم على رمال الصحراء.. تلك المناورات التي كانت تنتهي بالخواريف المحشية.. ودائما تحت صور العائلة المالكة.. طبعا للضباط الأمراء فقط ذوي الكروش العظيمة”.

في البداية، لا بد من النظر في الظروف الموضوعية التي تمت على ضوئها استعادة النظام لمدينة تدمر من قبضة تنظيم داعش. هذه الظروف التي تمثلت في تكريس الهدنة مع المعارضة، وفي نتائج جولة المفاوضات الأخيرة في جنيف، وفي نتائج اللقاء الذي جمع وزيريْ خارجية روسيا والولايات المتحدة عقب تلك الجولة والتي تقرر فيها تأجيل البت في مصير الأسد مرحليا.

كما تأتي استعادة (استرداد) النظام لمدينة تدمر، قبيل الجولة القادمة من التفاوض في التاسع من الشهر القادم، وبعد تفجيرات بروكسل، كإنجاز كبير للنظام وحلفائه في محاربة داعش، وبالتالي تلميع صورته وإعادة تأهيله وتسويغ التعاون معه في محاربة الإرهاب.

وإذا عدنا بالذاكرة ثمانية أشهر من الآن، حين توجه حوالي 400 عنصر من تنظيم (داعش) من مركزه في مدينة الرقة باتجاه مدينة تدمر التاريخية في قلب سوريا، والتي كانت تحت سيطرة النظام حيث يوجد مطار عسكري والآلاف من الجنود في قواعد عسكرية تحيط بالمدينة التي تحتوي على سجن تدمر المركزي ذائع الصيت، حيث كان يلاقي الآلاف من المعتقلين أشدّ أنواع التنكيل، في حين كانت طائرات النظام الحربية والمروحية تكيل الآلاف البراميل المتفجرة على الأحياء السكنية في حلب وريف إدلب ودرعا وريف دمشق وغيرها، لم تواجه طوابير مقاتلي داعش التي قطعت أكثر من مئتي كلم في عرض الصحراء من الرقة إلى تدمر أي غارات لا من قبل تلك الطائرات ولا من طائرات التحالف الدولي الذي تزعمته الولايات المتحدة لقتال داعش في سوريا والعراق.

تساؤل الكثيرين بات مشروعا حول الأسباب الحقيقية التي دفعت عدة آلاف من قوات الأسد منذ ثمانية أشهر إلى الانسحاب من مدينة تدمر لتسلمها لأربعمئة مقاتل من تنظيم داعش

لم ينسَ نظام الأسد أن يخلي سجن تدمر من المعتقلين، فقد تم ذلك قبيل وصول قوات داعش فتم نقلهم إلى سجون أخرى تحت سيطرته، ولكنه ترك العشرات من مستودعات الأسلحة والذخائر ليغنمها التنظيم! وهكذا انسحبت قوات النظام وتم تسليم المدينة بما فيها للتنظيم الإرهابي الذي بادر من فوره إلى تدمير السجن الذي يمثل وصمة عار كبرى في تاريخ النظام.

اليوم، وبمساعدة كثيفة من الطيران الحربي الروسي، وبدعم كبير مما يسمى القوات الرديفة المشكّلة من ميليشيا الدفاع الوطني التي تضم شبيحة النظام، وقوات حزب الله اللبناني ومن الميليشيات العراقية والميليشيات التي حشدها الحرس الثوري الإيراني من باكستان وأفغانستان، يستعيد النظام السيطرة على تدمر. لتنطلق على إثر ذلك حملة دعائية غير مسبوقة لمصلحة النظام الذي فتك بالشعب السوري ودمر مدنه وقراه وقتل منه مئات الآلاف وهجر الملايين، حملة بدأت من موسكو بالتهنئة التي وجهها الرئيس الروسي إلى بشار الأسد على هذا الإنجاز، تلاه الأمين العام للمنظمة الدولية بان كي مون، الذي طالما كان يعرب عن قلقه، ليعرب اليوم عن ارتياحه لتخليص المدينة التاريخية من براثن داعش، وصولا إلى الصحف الغربية الكبرى التي كالت المدائح للجيش السوري الذي حقق هذا الإنجاز.

وهنا، فإن تساؤل الكثيرين بات مشروعا حول الأسباب الحقيقية التي دفعت عدة آلاف من قوات الأسد منذ ثمانية أشهر إلى الانسحاب من مدينة تدمر لتسلمها لأربعمئة مقاتل من تنظيم داعش؟ وهل كانت للتنظيم مهمة محددة في تدمر تم إنجازها ليقوم النظام اليوم باستعادتها في إطار تلميع صورته لدى الغرب وخلال مرحلة التفاوض، فيكون بإمكان الدول الغربية تسويغ ممارسة الضغوط على وفد المعارضة من أجل بقاء الأسد على رأس المرحلة الانتقالية المفترضة؟

البعض يؤكد أنه كانت في سجن تدمر أقسام سرية واسعة استخدمتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في اعتقال وتعذيب المئات من المعتقلين لديها، ولا سيما أنه بات من المؤكد أن النظام السوري من ضمن ثلاث عشرة دولة عربية كانت تعاونت مع المخابرات الأميركية في هذا الموضوع بحسب “تقرير التعذيب” الذي أصدره مجلس الشيوخ الأميركي، وأن تدمير هذا السجن كان أولوية من جملة الأولويات التي عُهد بها إلى التنظيم.

تذكرنا عملية استعادة نظام الأسد لمدينة تدمر في هذا الوقت بالذات وبمساعدة كثيفة من الحرس الثوري الإيراني والقوات الجوية الروسية ومن أجل تلميع صورته لمستقبل المفاوضات، بمعارك عين العرب (كوباني) التي احتلها تنظيم داعش بنفس طريقة احتلاله لمدينة تدمر بحيث تُركت قوافله تقطع مسافة طويلة في عرض سوريا دون أيّ مواجهة أو أي غارة من طيران التحالف، لتستعيدها قوات حماية الشعب بزعامة صالح مسلم وبدعم كثيف من الطيران الأميركي وبضغوط أميركية كبيرة من أجل إشراك قوات البيشمركة العراقية وبعض فصائل الجيش الحر لتخليص المدينة من داعش. هذه العملية التي عززت من موقع حزب صالح مسلم (الاتحاد الديمقراطي) ومن ميليشيا وحدات حماية الشعب التابعة له، ليأتي بعد ذلك تهميش كل القوى الكردية الأخرى المشاركة في الثورة السورية وتلك المؤتلفة مع المعارضة السورية.

يبدو أن توجهات السياسة الأميركية قد تلاقت مع الاستراتيجية الروسية في تعزيز دور حزب الاتحاد الديمقراطي من جهة، وفي تركيب أرجل من قصب للنظام الأسدي لأجل الجولات القادمة من التفاوض.

كاتب لبناني

8