عن استعباد البشر في عالمنا العربي

الاثنين 2016/04/11

كشفت شبكة استعباد النساء في لبنان، عن التردي السياسي والثقافي والقيمي الذي يعيشه عالمنا العربي، إذ هذه مجرد نقطة في بحر واسع، وإذ الفضيحة لا تغدو كذلك إلا عند كشفها على الملأ، حيث نغدو وجها لوجه أمام أنفسنا أو أمام فضيحتنا، تماما كما حصل في الأسطورة الشهيرة، إذ لم يدرك الملك الطاغية أنه عار، وأن الناس يرونه كعار، رغم سكوتهم، إلا عندما نطق الطفل صيحته: الملك عار، الملك عار.

القصد أن كل شيء حولنا يؤكد هذه الفضيحة، من نمط السلطة، التي تهيمن على البلاد والعباد، وحال التجهيل، ومحاباة أهل القوة والسيطرة، وتدهور مستوى التعليم، وهبوط مستوى الفنون والرياضة، وهشاشة البنى التحتية، وهدر الثروات الطبيعية والمجتمعية، ورخاوة الدولة كمؤسسات وقانون أمام تغوّل السلطة، وانتهاك حريات الأفراد ومصادرة حقوقهم، وامتهان كرامتهم، من المطار ومن أقصى نقطة على الحدود، إلى المخافر ومقرات الأمن ومنصات القضاء.

الفكرة أن معظم بلداننا العربية تفتقد إلى الأساسيات، أو أنها مازالت خارج السكّة، أي خارج مسار التحول إلى دولة حقا، أي دولة مؤسسات وقانون ومواطنين، وحتى مجتمعاتنا مازالت لم تتحول إلى مجتمعات حقا، مع مواطنين أحرار ومستقلين، هذا قبل أن نتحدث عن الديمقراطية والمشاركة الشعبية، وحيث أرخص شيء في هذه البلدان هو الإنسان.

لم تكن تلك هي الفضيحة الأولى التي تخرج على الملأ، لتصدمنا وتضعنا أمام حقيقة أوضاعنا، وتكسر من كبريائنا، فقبل عقد أو عقدين كانت وسائل الإعلام ضجت بأخبار ضابط مخابرات كبير في دولة عربية، كان شغله الشاغل استدراج نساء سجنائه (زوجاتهم وبناتهم وأخواتهم) للنيل منهم، مثل أي وحش، وقد بلغت به السادية والثقة بالذات والاستهتار بالدولة والمجتمع حد تصوير أفلام لهم. وهذا حصل مع قيام وزير سابق بحمل متفجرات بأوامر من مسؤولي دولة أخرى لتفجيرها وسط تجمعات بشرية في بلده. وهذا ما يحصل مع أنظمة يسيطر فيها أفراد من عائلة الرئيس على كل شيء، وحتى على مصير العباد.

كل شيء في هذا العالم العربي يبعث عن التمرد والثورة، بعد أن سدت كل الطرق المناسبة للتغيير السلمي والتدريجي، وهذا ما يفسر اندلاع ثورات الربيع العربي، والانفجارات التي حصلت في هذا البلد أو ذاك، والتي ربما تحصل هنا وهناك، في حال استمرت الأمور على هذا المنوال.

ما حدث في لبنان يبعث مشاعر الإحباط وعدم الجدوى والغضب والقهر من هذا العالم الظالم والمرائي والخبيث الذي يسكت عن أوضاع مثل هذه، وهو ذات العالم العربي الذي يتفرج على البراميل المتفجرة تنهمر على السوريين في بعض المدن، ويصمت على موت الألوف تحت التعذيب في السجون. علما أن هؤلاء الضحايا في كل الحالات هم نحن. ولعل ما يفترض إدراكه أن حالات انتهاك حرمة جسد إنسان للتعذيب أو الاغتصاب أو الامتهان، هي مثل حالة قتل الجسد، فهي حالة محو، إذ كلاهما يصدران عن عقلية سادية لا تحترم الحياة، ولا تعترف بالآخر، ولا تنتمي إلى عالم القيم الحضارية والإنسانية.

ولعله ليس من قبيل المصادفة أن هذا البلد، أي لبنان، يعيش فترة فراغ في السلطة، إذ يعجز برلمانه منذ زمن طويل عن الاجتماع لانتخاب رئيس، وهذا البلد فيه حزب طائفي مسلح يقتل شعبا آخر، وهو ذات البلد الذي يعيش منذ أشهر على فضيحة تتمثل بالعجز عن التوافق حتى على مكب للنفايات، وكان قبل ذلك ضجّ بفضيحة الأطعمة الملوثة والأدوية الفاسدة وتهريب المخدرات. إلخ.

وباختصار ما حدث هو جزء من آليات الفساد والسلطة والهيمنة في بلادنا، أي أن هذه لا يمكن اختصارها بقصة شبكة دعارة، على ما يحاول البعض تمرير هذه الفضيحة، تماما كما تم سابقا تمرير هزيمة حزيران، بمصطلح النكسة. هذه فضيحتنا الكبرى.

كاتب سياسي فلسطيني

8