عن الإخوان الأميركان

الأربعاء 2013/11/06

في مقال له بعنوان «أوباما: الحلفاء الجدد» وصف الدكتور أحمد الفراج الرئيس الأميركي بأنه «رأس الحربة في مخطط تمكين الإخوان من الحكم في منطقتنا الملتهبة»، فكانت ردة الفعل حيال هذه العبارة عنيفة جداً من إخوان السعودية الذين يشهرون أسلحتهم من وسائل الإعلام القطرية ووسائل التواصل الاجتماعي. وكالعادة ودون أي مناقشة موضوعية تهدف إلى الوصول للحقيقة لما فيه المصلحة العامة مارسوا تكتيك counterfactual المعتاد والمعروف في مواجهة أي اقتراب من حرم الحقائق، بل وحرّفوا ما قال وزعموا إدعاءه بأن أوباما من الإخوان ليبتعد المتلقي عن مجرد التفكير في صحة المقولة الواردة في المقال. وبعد فترة ليست بالطويلة نشرت مجلة Front Page تقريراً عما أسمته «رجل الإخوان في البيت الأبيض» جاء فيه ما يؤكد ما ذكره الدكتور الفراج وذكرناه في عدة مقالات سابقة عن حجم ونوع العلاقة التي تربط الإدارة الأميركية بالتنظيم الدولي للإخوان ولكنني سأنقل هنا مما ورد في التقرير بعض فواتح الشهية:

في خطابه المعنون «بداية جديدة» والموجه للعالم الإسلامي عام 2009 بالقاهرة أصر أوباما على حضور قادة الإخوان، رغم أنها جماعة محظورة في مصر مما أدى إلى عدم حضور مبارك الذي لا يمكنه التواجد مع قيادات جماعة محظورة في نفس القاعة. وفي أثناء ثورة 2011 التقى السفير الأميركي حينها بعصام العريان. وفي فبراير من نفس العام، وفي محاولة للحد من القلق في أوساط النخب الأميركية حيال قطف الإخوان لثمار الثورة، صرح الجنرال جيمس كلارك مدير المخابرات الوطنية الأميركية بأن الإخوان علمانيون في غالبيتهم وأن الإدارة الأميركية ستدعم وصولهم للسلطة.

وفي يونيو من نفس العام أعلنت الإدارة الأميركية أنها ستقيم علاقة رسمية مع جماعة الإخوان، وأكدت في نوفمبر على لسان المنسق الأميركي الخاص للتحولات في الشرق الأوسط ويليام تيلور بأن الولايات المتحدة ستكون راضيةً جداً لو فاز الإخوان في الانتخابات. ثم جاء اتصال أوباما السريع جداً لتهنئة مرسي بالفوز، وتبع ذلك زيارة هيلاري للقاهرة إلا أن موكبها تعرض للرشق بالأحذية والطماطم وواجهتها لوحات ترفض تسليم أميركا مصر للإخوان.

واستعرض التقرير عدداً من النقاط الهامة في العلاقات الأميركية الإخوانية ذكرها المدعي العام الأميركي السابق لمكافحة الإرهاب أندرو مكارثي، ومنها رفع الحظر المفروض على طارق رمضان، وتحويل مليار ونصف المليار دولار كمساعدة عاجلة للتنظيم (للتنظيم وليس للحكومة) عقب فوزهم في الانتخابات البرلمانية واستقبال وفد منهم يضم أعضاءً في «الجماعة الإسلامية» المصنفة لدى أميركا كمنظمة إرهابية دون أي توضيح للشعب الأميركي حيال كيفية تجاوز الإدارة الأميركية للعقبات القانونية.

وحينما بدأت حكومة الإخوان في مصر في قمع الحركات الاحتجاجية ضدها، وبدأت في تحويل الدولة إلى دولة فاشستية أثار ذلك استياء هيلاري كلينتون التي ظهرت عبر قناة فوكس نيوز لتعرب عن تخوفها وقلقها من أن تكون الثورة قد خُطفت من قِبَل جماعة متطرفة، فسارع أوباما بالرد عليها بأن أرسل 20 طائرة مقاتلة F16 ضمن حزمة مساعدات لحكومة الإخوان تربو على مليار دولار، بل وتجاوز أوباما ذلك بأن أرسل فريقاً خاصاً من الجنود الأميركيين لمساعدة حكومة الإخوان في السيطرة على الاحتجاجات الموجهة ضدها.

ما سبق بعض ملامح التقرير المثير الذي يؤكد هذه العلاقة الأميركية- الإخوانية المريبة والتي قد تحمل بعض الإجابات حول سبب الثقة المفرطة لدى التنظيم الدولي بالدعم الأميركي، والذي عبر عنه العياط خلال تهديده للسيسي بأن الولايات المتحدة لن تسمح له بعزله. أو سبب تواجد عنان في واشنطن في عز الأزمة وعودته قبل أسبوع من تنحي مبارك. أو السبب خلف مقولة طنطاوي أنه سلم الإخوان لمصر بعد اكتشاف عملية تزوير الانتخابات. أو سبب تعيين عنان بعد إقالته مستشاراً خاصاً للشؤون العسكرية لدى مرسي ثم منعه من أي ظهور إعلامي بعد عزل مرسي. وكذلك سبب استمرار أعمال الشغب وتخصيص دولة الجزيرة القطرية لأكثر من 80 بالمئة من مساحتها الإخبارية للتأجيج، والكثير من الأسئلة التي ستظهر إجاباتها قريباً.

وكما هو ملاحظ مما يحدث في مصر فالدعم الأميركي للإخوان لم يتوقف بسقوطهم، بل وصل إلى قطع جزء من المساعدات ولا نفشي سراً حينما نذكر ما نشرته Foreign Policy من إسقاط مصر لطائرة أميركية بدون طيار من طراز «Avenger» والتي تعتبر من أكبر وأسرع وأشد الطائرات فتكاً والمزودة برادار LYNX ونظام التهديف الكهروبصري EOTS الخاص بطائرات ستيلث F35 وذلك بعد دقائق من دخولها المجال الجوي المصري، وهو ما دعا مدير المخابرات العسكرية الروسية، الجنرال فيكسلاف كوندراسكو، لزيارة القاهرة على رأس وفد عسكري رفيع للتشاور حول إمكانية الاستفادة من تقنيتها واستنساخها في انتاج روسي مصري مشترك. ولعلنا نتساءل، هل كانت الولايات المتحدة تستهدف أحداً أو موقعاً ما حينما اخترقت الأجواء المصرية بطائرة عسكرية مقاتلة بدون طيار؟

الدعم «الأوبامي» المنقطع النظير للتنظيم الدولي أدى إلى حركة التفافية مصرية لإيقاف الاختراق الإخواني للإدارة الأميركية بتعاقدها مع شركة The Glover Park Group بهدف إظهار الحقائق كما هي على أرض الواقع لا كما تصورها مافيا الإعلام الإخواني الذي تموله قطر. من خلال هذه الشركة- والمدفوع تكاليفها بالكامل من أبوظبي- يمكن لمصر أن تتواصل مع مراكز صنع القرار لكشف عمليات التضليل الإخوانية التي ساهمت في اختراق غير مسبوق للقرار الأميركي. إضافة بالطبع إلى العمل على الإسراع في تنفيذ خارطة المستقبل والحد من أعمال الشغب الممولة من التنظيم الدولي.

الدول الثلاث المستهدفة بواسطة التنظيم الدولي وسياسات أوباما الإخوانية قد قررت بالفعل منذ فترة أن تحمي نفسها ومكتسباتها، ففي حين يتم العمل على كشف التضليل الإعلامي الإخواني هناك زيادة في التنسيق مع روسيا بالإضافة إلى احتمال طلب السعودية من الدول الإسلامية دعم موقفها من مجلس الأمن، أو من الممكن تخفيض إنتاجها النفطي وربما تكرار تجربة قاعدة الأمير سلطان الجوية، إنما في البحرين هذه المرة. إضافة إلى عدد آخر من الخطوات التصعيدية التي لا تستهدف الولايات المتحدة بل سياسات أوباما الإخوانية. ويبدو أن واشنطن قد لمست ذلك مما استدعى زيارة كيري للرياض لتفادي مزيد من التدهور.

الحقائق على الأرض دائماً أقوى وأعلى صوتاً، وما يقوم به المضللون من إخوان الخليج ليس إلا محاكاة تاريخية للأسطورة الإغريقية التي تحكي قصة «إيكو» الخادمة ذات اللسان الطويل التي أرسلها «زيوس» لإلهاء زوجته «هيرا» عن خيانته لها، وعندما تم كشف أمرها عاقبتها «هيرا» بأن جعلتها تكرر آخر صوت تسمعه طيلة حياتها. وسينكشف أمر القوم وسيعاقبهم مجتمعهم عاجلاً أو آجلاً لأنهم لم يكونوا في أي يوم من الأيام أكثر مما تصفه الأمثال الشعبية بـ»مِلْهي الرعيان» عن الإخوان الأميركان.


كاتب سعودي

9