عن الإرهاب والاقتراع الرهابي

السبت 2017/04/22

يتحالف الإرهاب مع اليمين المتطرف الشوفيني كمنسوب انتخابي وعامل دعائيّ لأطروحات التقوقع والعنصرية في الاستحقاقات الانتخابية الرئاسية والبرلمانيّة.

في كلّ موعد انتخابي تضرب الجماعات الإرهابية في أماكن محددة لاستنفار الخزان الانتخابي ولاستحثاث الاقتراع الرهابي لصالح ممثلي اليمين المتطرف ولاستدرار التصويت العقابي ضد دعاة التعايش والتقارب الفكري والتعددية الثقافيّة.

تقاطع العمليات الإرهابية في أكثر من دولة غربية اسقط بقوة فرضية التزامن الفجئي، وأثبت في المقابل أن الجماعات الإرهابية تحضر “ذئابها المنفردة” للمناسبات والاستحقاقات المدروسة قصد تغليب كفة “الحليف النقيض”عبر تأكيد صحة أطروحاته الانتخابية عن استحالة التعايش مع المهاجرين، وعن خطورة الأحياء الهامشية في العواصم الغربية، وعن ضرورة التضييق على المجالات الدينية، ووصولا إلى حدود مصادرة الحقوق الدينية الفردية ضمن الفضاء العام.

بعبارة أدق يبحث الإرهاب عن عناوين المظلوميّة وسرديات الاستضعاف لشرعنة الأعمال الإجرامية والدنيئة في حقّ الأبرياء، ولإيجاد عمق جماهيري يتوسل مرة بالتفسير الأداتي، ويستعين أخرى بالتبرير ضمن مقولة السببية المقيتة.

وهو بالضبط ما يتقصى الإرهاب إلى إدراكه، تأمين الأسباب والمقدّمات التي يعتبرها مقنعة لتبرير نهايات سفك الدماء البريئة في العواصم العربية والغربيّة. وهو في هذا المقام لا يفرق كثيرا بين العواصم العربية والغربية، فهو يستفيد من استبداد وفساد واستعباد لبعض الأنظمة العربية لتأثيث برهنة واهية قوامها أنّ الدكتاتورية تثمر اغتيال الإنسانية، في حين أن الدكتاتورية لا بد أن يكون رديفها مقاومة سياسية وسلمية وفكرية ومدنية قوية لإنقاذ الإنسانية وليس حتفها.

بنفس المنطق المقلوب، يستفيد الإرهاب من مقولات العقاب الجمعيّ لبعض المناطق على أساس طائفي- كما هو حاصل حاليا في العراق- و يتزوّد أيضا من عبارات نصرة المظلومين في تلك البلاد، وبغض النظر عن صحّة التشخيص من عدمه فإنّ استكناه الداء يستدّر دواء ولا يتطلبّ استثارة لداءات أخرى.

يتمعش الإرهاب من الذرائعية أيا كانت طبيعتها وقدرتها التفسيرية، وللأسف يجد من بعض الكتاب والصحافيين والمنصات الإعلامية والفضائية على وجه التحديد، من يدبّج له بطريقة غير مباشرة مسلك القتل والترويع عبر استحضار ذات المقولات الذرائعية والسببية.

ولئن كان من مهام الإعلام أن يقدم المعلومة ويفسر ويحلل ويكشف منظومة الفساد والاستعباد والاستبداد، فإن من واجبه أن يكسر وأن يضرب في الصميم أي علاقة تبريرية أو سببية حتميّة بين هذه المقدمات السياسية والاقتصادية وتلك النهايات الإرهابية، وأن يبرهن أن ذات البدايات لها نهايات أخرى وأدوات مقاومة أخرى يكفلها القانون الدولي والإنساني.

باستهداف الشارع الرئيسي في عاصمة الأنوار باريس، ينزل الإرهاب بطم طميمه في الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي تبدأ نهاية الأسبوع الجاري، مانحا الجبهة الوطنية الفرنسية وممثلتها في السباق الرئاسي مارين لوبان “قبلة الحياة” لتقفز إلى المرتبة الأولى في المرحلة الأولى والنهائية… أو هكذا يتصور تنظيم داعش.

يريد داعش للانتخابات الرئاسية الفرنسية أن تخاض على وقع دماء الشانزيليزيه وأن يذهب خراجها إلى لوبان التي تبني كل برنامجها الانتخابي على ضرب الإرهاب كعنوان عام، ولكن في التفاصيل عناوين فرعية هامة وحساسة على غرار الهجرة والاتحاد الأوروبي ومجال تحرّك الإسلام والجمعيات الدينية والمساجد واللباس.

وبصورة المظلومية والعنصرية يدخل الإرهاب على الخط، سواء بطريقته الناعمة حيث يصبح الاستقطاب الإلكتروني والمباشر أسهل وأيسر في ظل حروب الهويات المتطرفة وفي سياق التصعير الإثني، أو بمسلكية الذئاب المنفردة والمنفلتة التي تجد في خضم غياب المراقبة والمتابعة والإرشاد والتأهيل والتوعية، خطاب داعش الرديف المقابل والرد المناسب لخطابات أقصى اليمين المتطرّف.

أبويوسف الإرهابي الذي نفذ الهجوم الإرهابي القذر، ليس سوى ورقة انتخابية داعشية مبكرة في الصندوق الانتخابي للمرشحة اليمينية مارين لوبان، يريد داعش أن تتساقط وراءها الملايين من الأوراق الأخرى تحت ضغط الاقتراع الرهابي.

قد يكون الوعي زمن الدم، والإيقاظ وقت الاستنفار، والتعقل في ظل الرهاب، مقولة خارج الزمن الراهن السياسي والانتخابي ومن ورائها الرهانات الإقليمية والدولية.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

8