عن البدايات المتألقة لتجربة نادي القاهرة السينمائي

من قلب المناقشات التي كانت تحدث في نادي السينما ولدت الكثير من المشاريع والأفكار، وتشكلت جمعيات أخرى.
الأربعاء 2019/11/06
فيلم «المدرس الأول» السوفييتي مرّ على طاولة نقاش النادي ورواده

شخصيا لم أتابع عروض نادي سينما القاهرة في موسمه الأول (1968-1969) فقد كنت تحت السن القانونية كشرط للعضوية، بل ولم أكن قد حصلت على شهادة الثانوية العامة وهو شرط ثان من شروط العضوية، لكني تمكنت من الحصول على كل ما صدر من نشرات عن النادي التي كانت تصاحب عروض الأفلام.

وكانت النشرة عبارة عن 4 صفحات ملونة، تحتوي بعض المعلومات عن الفيلم والمشاركين في صنعه من الفنانين والتقنيين. ولكنها كانت كافية في ذلك الوقت لتوضيح أهمية الفيلم.

أفلام طليعية

عرض النادي في موسمه الأول الكثير من تجارب السينما في البلدان الاشتراكية بأوروبا الشرقية التي كانت تشهد ازدهارا كبيرا في الستينات. ولكن القائمة تضم أيضا عددا من أهم الأفلام الغربية المجددة الطليعية لعدد من أعلام السينما في إيطاليا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة والسويد.

ويكفي أن نطالع أسماء لأفلام مثل “إنجيل متى” لبازوليني، و”القناع” لبرغمان، و”النفس الأخير” أول أفلام غودار، و”ليدي ماكبث من سيبيريا” لأندريه فايدا، و”امتياز” لبيتر واتكنز (عرضتُ هذا الفيلم في ما بعد بنادي سينما كلية الطب الذي أسّسته عام 1973)، و”الفقيد العزيز” لتوني رتيشاردسون.

كان أحمد الحضري، رجلا منضبطا يتمسك كثيرا بالدقة وما يعرف في التقاليد العسكرية بـ«الضبط والربط»
كان أحمد الحضري، رجلا منضبطا يتمسك كثيرا بالدقة وما يعرف في التقاليد العسكرية بـ«الضبط والربط»

ولعل من أهم ما عُرض من أفلام في الموسم الأول على الإطلاق، الفيلم السوفييتي “المدرس الأول” (1965) وهو من إخراج أندريه كونتشالوفسكي، ويعتبر إحدى تحف السينما السوفييتية دون أدنى شك. وقد عدت لمشاهدته في ما بعد.

يصوّر هذا الفيلم كيف أرسل جندي سابق في الجيش الأحمر بعد نهاية الحرب الأهلية عام 1923 إلى قرية في إحدى الجمهوريات السوفييتية المسلمة في آسيا لتعليم الشباب مبادئ اللينينية، لكنه يقع في حب فتاة من سكان القرية، بينما يريد أهلها تزويجها بالقوة (بيعها بمعنى الكلمة) إلى رجل يكبرها في العمر، ويتعرّض الفيلم ببراعة للصدام بين قيم الثورة والعادات والتقاليد المغروسة في الواقع ويطرح التساؤلات حول عدم جدوى القفز فوق الواقع، ولعل هذا الفيلم تحديدا ترك تأثيرا كبيرا على المخرج الصيني الشهير تشين كايكي الذي أخرج أول أفلامه “الأرض الصفراء” (1984) مستعينا بقصة مماثلة، ولكن من خلال أسلوب سينمائي مختلف. وكان “الأرض الصفراء” البداية الحقيقية لحركة السينما الصينية الجديدة (الجيل الخامس).

وجدير بالذكر أن المخرج كونتشالوفسكي هو شقيق المخرج الروسي المرموق نيكيتا ميخالكوف صاحب فيلمي “العيون السود” و”حرقته الشمس” وإن كان يكبره في العمر. وفي أوائل الثمانينات سيذهب كونتشالوفسكي لتجربة حظه في هوليوود، وهناك سيخرج بعض الأفلام لحساب شركة “كانون” التي أسّسها المنتج الإسرائيلي مناخيم غولان، مثل “عشاق ماريا” و”قطار الهروب” و”مبارزة لشخص واحد”، ولكن تجربته في هوليوود لم تنجح ثم أفلست شركة كانون التي كانت أساسا شركة لغسيل الأموال والتهرب الضريبي، فعاد إلى بلاده حيث لا يزال يعمل حتى يومنا هذا، وهو في الثانية والثمانين من عمره.

أعود إلى نادي السينما الذي انضممت إليه في موسمه الثاني والذي يمكن اعتباره العام الأول في عمر نادي السينما كتجربة شديدة الخصوصية، فقد تغيّر شكل ومضمون النادي كثيرا جدا، واتسع نشاطه، وأصبح يصدر نشرة ورقية رائعة وصلت إلى 32 صفحة أسبوعيا، امتلأت بكتابات النقاد الشباب في تحليل الأفلام، كما انفتح على الأفلام الجديدة في العالم وأصبح يعرض أيضا الأفلام المصرية الجديدة والهامة.

من هذه الأفلام فيلم “المومياء” لشادي عبدالسلام، و”الأرض” ليوسف شاهين” و”زائر الفجر” لممدوح شكري، وغيرها. وانتقلت العروض الأسبوعية من قاعة الجامعة الأميركية إلى دار سينما أوبرا في وسط القاهرة، وكانت واحدة من أجمل دور السينما القاهرية وكانت مصممة من الداخل بحيث تشبه إلى حد كبير سينما إمباير في لندن (قبل تقسيمها إلى أكثر من قاعة والقضاء على طابعها القديم البديع).

 “مشاعر جان دارك” للمخرج الدنماركي كارل دريير فيلم صامت من عام 1928
 “مشاعر جان دارك” للمخرج الدنماركي كارل دريير فيلم صامت من عام 1928

وهذه الدار، أي سينما أوبرا، لا تزال مغلقة حتى الآن، يعلو واجهتها التراب لأسباب غامضة. وهي تقع في واحد من أجمل ميادين القاهرة (الإسماعيلية) نسبة إلى الخديوي إسماعيل باشا الذي أسّس القاهرة الحديثة، وهو ميدان الأوبرا أو إبراهيم باشا سابقا، حينما كانت “الأوبرا” القديمة التي أنشأها الخديوي إسماعيل، لا تزال قائمة قبل احتراقها أو حرقها في أكتوبر 1972.

وكان يجاور سينما أوبرا “كازينو صفية حلمي” الذي يعتبر جزءا من تاريخ الفن الغنائي في مصر، وكان الميدان مفتوحا، يتمتع بالرونق والسحر والجمال، تتفرّع منه الشوارع الرئيسية الشهيرة: إبراهيم باشا (الذي أطلق عليه الحكام الجدد بعد 1952 شارع الجمهورية)، وكانت توجد فيه أيضا سينما “حديقة النصر” الصيفية التي شاهدنا فيها العشرات من الروائع السينمائية العالمية، وشارع فؤاد الأول (26 يوليو)، وشارع عبدالخالق ثروت. وفي الركن الأيسر من الميدان كان هناك سور الأزبكية الأسطوري الذي لا تزال ذكراه قائمة حتى يومنا هذا.

كان الاتفاق بين نادي السينما ودار سينما أوبرا، على تخصيص حفلة مساء الأربعاء لعروض النادي. وكنا نلتقي أمام مدخل سينما أوبرا، مساء كل أربعاء، مع عشرات الشخصيات المرموقة من النخبة المثقفة من المفكرين والكتاب وكبار الصحافيين والسينمائيين منهم أسماء مرموقة كنا نسمع عنها ولا نحلم بأن نلتقي بها وجها لوجه أبدا، مثل لويس عوض ومحمود أمين العالم والصحافي الكبير سعدالدين توفيق الذي أعتبره مؤسّس النقد السينمائي الحقيقي في مصر، وإن لم يحصل على ما كان يستحقه وكان يكتب النقد السينمائي بانتظام في مجلة “الكواكب” في عصرها الذهبي، وقد توفي مبكرا في الخامسة والخمسين من عمره وترك لنا عددا من الكتب المرجعية في السينما، وكان مثالا، وهو صاحب أول كتاب علمي في تاريخ السينما المصرية.

كان النقاد والسينمائيون الشباب يتجمعون ويتناقشون مناقشات طويلة تسبق الدخول لمشاهدة العرض، حيث كان يتولى أحد النقاد تقديم الفيلم، ثمّ تعقب العرض مناقشة مفتوحة كانت تستمر أحيانا إلى ما بعد منتصف الليل. ومن قلب هذه المناقشات ولدت الكثير من المشاريع والأفكار، وتشكلت جمعيات أخرى فرعية في الجامعات كنت شخصيا طرفا أساسيا فاعلا فيها. ولكن لهذا حديث آخر.

نظام صارم

“مومياء” شادي عبدالسلام مرّ على طاولة نقاش النادي ورواده
“مومياء” شادي عبدالسلام مرّ على طاولة نقاش النادي ورواده

تخرّج من نادي سينما القاهرة الكثير من النقاد والسينمائيين أيضا، أي الشباب الذين اتجهوا لدراسة السينما، بعد أن تشبّعوا بثقافتها، وتعلّموا أبجديات السينما من خلال المشاهدة والتحليل أولا، قبل استكمال الدراسة العملية.

ولا شك أن الأب الروحي لنادي سينما القاهرة بمشروعه الكبير الذي استمر لنحو 24 سنة هو الناقد الكبير الراحل أحمد الحضري. وكان الحضري في الأصل مهندسا معماريا التحق بالجيش المصري وأصبح ضابطا- مهندسا، أي أنهم عندما أرادوا إسناد مهمة النادي إلى جانب مسؤولية مركز الثقافة السينمائية (وكان يطلق عليه المركز الفني للصور المرئية) أسندوها إلى من كان في السابق ينتمي إلى المؤسسة العسكرية. وقد أصبح الحضري أيضا عميدا لمعهد السينما في ما بعد، وكان صاحب الدور الرئيسي في تأسيس “جمعية الفيلم” عام 1960، وهو الذي صوّر أول فيلم أنتجته الجمعية، أي فيلم “حصان الطين” الذي أخرجته عطيات الأبنودي كهاوية شابة ونالت عنه جوائز عديدة ثم حصلت على منحة من مدرسة الفيلم في لندن حيث درست الإخراج السينمائي.

كان الحضري، وهو هاو عظيم من هواة السينما، رجلا منضبطا يتمسك كثيرا بالدقة وما يعرف في التقاليد العسكرية بـ”الضبط والربط”. وبسبب دقته الشديدة اكتسب النادي نظاما صارما عظيما، في العروض وترجمة الأفلام ترجمة فورية إن اقتضى الأمر، واستئجار عدد من روائع الأفلام، وكان يهتم أيضا باستقدام الأفلام التي لم تكن تعرض في قاعات السينما التجارية، وأتذكر منها على سبيل المثال فيلم “الجوع” للمخرج الدنماركي هيننغ كارلسن، وفيلم “مشاعر جان دارك” للمخرج الدنماركي كارل دريير وهو فيلم صامت من عام 1928، كما أتى لنا برائعة أورسون ويلز “المواطن كين” وأفلام أخرى له مثل “آل أمبرسون العظام” و”سيدة من شنغهاي” وغيرها.

ومنذ مطلع السبعينات كان النادي قد بدأ في عرض أهم الأفلام السياسية التي ظهرت في فرنسا وإيطاليا، بالإضافة بالطبع إلى أفلام الموجة الجديدة في بلدان أوروبا الشرقية: تشيكوسلوفاكيا والمجر وألمانيا الشرقية وبولندا ويوغسلافيا. وقد تسبب الإعلان عن بعض هذه الأفلام مثل “الحرب انتهت” لآلان لاينيه، و”زد” لكوستا غافراس في أزمة كبيرة كادت تعصف بالنادي، كما تعرّض بعض رموزه للمنع من الكتابة وهم تحديدا الثلاثي رفيق الصبان وسمير فريد وسامي السلاموني.

كيف كان يدار النادي ومن هم أقطابه وأهم النقاد الذين ساهموا فيه والنقاد والسينمائيون الجدد الذين تخرّجوا منه، وما هي المعارك الفكرية والصراعات التي دارت داخل النادي، وكيف ترك تأثيرا على مجمل حركة الثقافة السينمائية في مصر، ثم كيف تدهورت أحواله مع تغيّر سياسات وزارة الثقافة وكيف وصلت التجربة إلى نهايتها، وما تفاصيل الفصل الأخير في حياة هذا الصرح الثقافي وهو الفصل الذي لم يكتبه أحد حتى يومنا هذا؟ كلها تفاصيل تستحق أن نتوقف أمامها في مقالات قادمة.

16