عن البرافدا.. والرياض

الجمعة 2015/11/27

على هامش قمة العشرين الأخيرة في أنطاليا التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالعاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز. لم تفصح الصحافة ولا البيانات الرسمية عما دار في الاجتماع وعن فحواه ونتائجه، ولم يصدر عن العاصمتيْن أي شيء عن الزيارة المقررة – المؤجّلة للملك السعودي إلى موسكو. جُلّ ما يخرج عن سلطات البلدين يتحدث، عادة، عن تقارب وتعاون وتنسيق (كاستضافة موسكو قبل أيام لاجتماعات اللجنة الحكومية الروسية السعودية المشتركة)، فيما يخرج وزيرا خارجية البلدين، عادل جبير وسيرجي لافروف، بما يكشف بقوة عن حدّة الخلاف حول الشأن السوري.

انتظرت موسكو من الرياض موقفا في سوريا يردُّ لها “جميل” تمرير القرار الأممي رقم 2216 بشأن اليمن، والذي أسس لتشريع قيادة الرياض لحلف عسكري عريض ضد الحوثيين وقوات الرئيس السابق علي عبدالله صالح في اليمن. وانتظرت الرياض من موسكو انعطافة روسية في مقاربة الشأن السوري، تحاكي الموقف السعودي الذي يرفضُ بقاء بشار الأسد في السلطة في دمشق، كما يرفض النفوذ الإيراني في المنطقة عامة، وفي سوريا خاصة.

تعددت زيارات المسؤولين السعوديين للعاصمة الروسية منذ عهد الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز، واستكملت تلك الزيارات بعقلية انفتاحية نشطة في عهد الملك سلمان (لا سيما ما ظهر في زيارة وليّ وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان في يونيو الماضي).

جرى الكلام عن تحالفات جدّية جديدة تسعى لها الرياض مع روسيا، وتمّ التطرّق إلى تعاون وعقود في مجالات الاقتصاد والتسلّح والمفاعلات النووية. خرج في واشنطن من توجّس من انقلاب إستراتيجي يصيب السياسة الخارجية السعودية، محمّلا نهج الرئيس الأميركي باراك أوباما مسؤولية هذا “التدهور” في العلاقات التاريخية للسعودية مع الولايات المتحدة الأميركية، فيما المراقبون لشؤون روسيا والسعودية، كما لشؤون الولايات المتحدة، عبّروا بحيرة عن تطوّر ملتبس يعيد رسم الخرائط الدولية. لكن بالنهاية، بدا أن الضجيج لم ينتج حجيجا، وأن هوّة كبرى ما زالت تفصل بين موسكو والرياض.

لا نعرف ماذا جرى بين الرئيس بوتين والملك سلمان في أنطاليا، لكن الهجوم الذي شنّته جريدة البرافدا الروسية ضد السعودية وقطر وتركيا يعكس حقيقة الأجواء المتوتّرة بين موسكو والرياض، كما بين موسكو وبقية الدول التي استهدفها هجوم الجريدة. الصحيفة الروسية، الشهيرة منذ عهود الاتحاد السوفييتي، ما زالت في عراقتها وقوة انتشارها، حسب ما تصفها تقارير روسية، ناطقا شبه رسمي يعبّر عن مزاج الرئيس بوتين في الكرملين. بدا أن موسكو فقدت تأنّيها في مقاربة الرياض، وأن القيادة الروسية تملك ما يكفي من الغضب للإيعاز للصحيفة، التي كان يحركها جهاز الـ”كي جي بي” حين كان بوتين رئيسا له، بإرسال رسائل التهديد والوعيد ضد الإدارة السعودية.

كثيرا ما صدرت عن صحافة موسكو ومسؤوليها انتقادات شديدة ضد الرياض تتعلق بسياساتها النفطية التي تسبب، حسب موسكو، خسائر لقطاع النفط في روسيا. بيد أن وصول الأمر إلى حدّ التلميح بتدخل عسكري روسي ضد السعودية وحلفائها، يعكس جسامة الخلاف الذي يرقى الردح حوله إلى مراتب التلويح بالحرب، خصوصا إذا ما أخذنا بالحسبان أن هجوم البرافدا أتى قبل أيام من زيارة سيّد الكرملين لطهران، مع ما تعنيه هذه الزيارة من إشارات سلبية للرياض، لا سيما أن منابر الإعلام القريبة من طهران تناولت المقال بصفته تحوّلا روسيا لافتا ضد خصوم إيران في المنطقة.

تأمل البلدان التي انطلقت إليها "صواريخ" البرافدا يـظهر جلياً أن موسكو تستهدف من تعتبرهم وراء قوة خصومها الحقيقيين في سوريا

لكن تأمل البلدان التي انطلقت إليها “صواريخ” البرافدا يظهر جليا أن موسكو تستهدف من تعتبرهم وراء قوة خصومها الحقيقيين في سوريا، والذين ما برحت صواريخها العابرة وقنابل طائراتها المغيرة تنال من مواقعهم منذ الساعات الأولى للتدخل الروسي في سوريا.

تهدد موسكو، عبر صحيفتها، دولا بالحرب المباشرة، وهي التي تخوض منذ أشهر حربا ضروسا ضد المصالح السعودية والقطرية والتركية في سوريا. وإذا ما كان تحوّل “غير المباشر” إلى “مباشر” معقّدا لأسباب جغرافية في حالتي السعودية وقطر، إلا أن التطوّرات الميدانية في سوريا قد تعجّل بالاشتباك مع تركيا التي تقترب النار الروسية الدمشقية من حدودها (وحادث السوخوي مؤشر على انزلاق مقلق في هذا الشأن).

لا تقرّ موسكو بأنها تستهدف المعارضة الحقيقية لنظام بشار الأسد، وأن ضرباتها، حسب التقارير الغربية، لا تتركّز على مواقع داعش، بل على مواقع الفصائل المعتدلة، التي تخوض حربا مزدوجة ضد النظام وضد داعش. تستغل القيادة الروسية الانفعال الدولي بعد الاعتداءات الإرهابية التي ضربت داخل العاصمة الفرنسية (13 نوفمبر)، واقتراب العواصم الغربية، لا سيما باريس، من التسليم بتنسيق قواها مع القوات الروسية ضد داعش، لتشنّ حملتها “البرافدية” ضد الدول الثلاث بصفتها داعمة ومموّلة ومسلّحة لتنظيم أبي بكر البغدادي، ذلك أن للاتهام وقعا دوليا يتجاوز تفصيل الخلاف الثنائي بين تلك الدول وروسيا.

تفقد موسكو تميّزها الميداني وهي على وشك فقدان الوكالة الحصرية لها في سوريا في التحرك تحت يافطة محاربة داعش.

ترسل فرنسا حاملة الطائرات “شارل ديغول” من أجل ردّ فرنسي قوي على الاعتداءات التي طالت عاصمتها. يستهدف الجهد العسكري الفرنسي مواقع داعش، فيما الموقف السياسي يردد أن لا مكان للأسد في مستقبل سوريا.

يكرر الرئيس باراك أوباما في واشنطن نفس اللازمة، فيما التقارير بدأت تتحدث عن قرب إرسال تواجد أميركي بري ما على الأراضي السورية. يعلن ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطاني، من باريس عزم بلاده نقاش خيارات عسكرية لضرب داعش في سوريا ويناقش في بلاده استراتيجية جديدة لمكافحة الإرهاب.

تتراكم هذه المواقف على وقع إرهاصات (سبقت حادث السوخوي) تتحدث عن تدخّل تركي برّي في الأراضي السورية، المحاذية للحدود مع تركيا على الأقل، في طموح للانتقال نحو إنشاء منطقة عازلة عزيزة منذ سنوات على قلب أنقرة.

لن تختلف روسيا مع بقية الدول التي تشاركها العزم على القضاء على داعش. لكن موسكو تختلف بحدّة، من خلال حربها السورية، مع الدول التي تجاهر بدعم المعارضة السورية لنظام بشار الأسد.

تشعر موسـكو أن انتقادات هذه المعارضة وغـضبها من اسـتهداف قـواتها من قبل النيـران الروسـية يعرّي المـسار الحقيقي للخطط الروسية ويقوّض مناوراتها الدبلوماسية للخروج بحلّ يبقي الأسـد، بشـكل ما، على رأس السلطة في دمـشق. في ردح “البـرافدا” ما يـوحي بـذلك، خـصوصا أن السعودية تستعد لاستضافة مؤتـمر مفـصليّ للمـعارضة السـورية، فيما تسـتضيف تـركيا هيـئاتها وشخـصياتها.

لم تردّ الصحافة السعودية على مطالعة “البرافدا” الروسية بمطالعات مضادة. الأمر ليس صدفة، بل من الواضح أن القيادة السعودية والمزاج السعودي لا يريد الانجرار نحو فخّ “البرافدا” في إشعال سجال مع موسكو، ذلك أن الرياض ما زالت تعتبر أن الموقف الروسي يحدده علنا مسؤولون روس، وأن كلام “البرافدا”، على أهمية رسائله يبقى كلام جرائد.

صحافي وكاتب سياسي لبناني

9