عن التشاؤم واليقين لدى المعارضة السورية

الجمعة 2013/10/04

ليست غريبة على الإطلاق، حالة التشاؤم العام التي تسود جمهور المعارضة السورية، المعارضة «النخبة» إن صح التعبير. إذ أن ثورتهم التي راهنوا عليها كثيراً، قطعت أشواطا كبرى فتبدلت أحوالها، وتغيرت أشكالها، حتى غدت «شيئا» مختلفا عن تلك الثورة التي خبروها وساندوها. هكذا تبدلت أحوالهم أيضاً، وبدلاً من التفاؤل المطلق الذي اندلع في أوساطهم مع اندلاع الثورة، يسود اليوم تشاؤمُ مطلق، يرسم مآلات سوداء لثورة الحرية والكرامة.

«الثورة التي عرفناها في البداية، ماتت» وفي حديث آخر «سُرقت». كان ذلك الخطاب، وحتى بداية العام الجديد، محصوراً بفئة المثقفين المنتمين للسلطة مضموناً، فيما يحاولون إظهار «الحياد» شكلاً. يضاف إلى أولئك المثقفين، فئة «التيار الثالث» ممن ناصروا الثورة في بداياتها الأولى باعتبارها ثورة شعبية، ثم ما لبثوا أن انقلبوا على خياراتها «الشعبية».

لكن الجديد، ومنذ أشهر فحسب، هو انضمام فئات أخرى من المعارضين، المعروفين بالتصاقهم التام بخيارات الثورة السورية، السلمية منها والمسلحة، إلى ذلك النمط من الخطابة «اللطمية». خطاب يندب حظ السوريين العاثر الذي أحال ثورتهم إلى «حرب أهلية»، وذهب بمآلاتها التي كانت محصورة بالنسبة لهم بالحرية والكرامة، إلى نماذج مفزعة تبدأ بأفغانستان، ولا تنتهي بالصومال والعراق.

أقول، تبدو مفهومة ومبررة تماماً، تلك الحالة المأساوية التي بلغتها معنويات قطاع غير قليل من المثقفين السوريين، خصوصاً أولئك الذين أنفقوا سنوات حياتهم يكدّون في عمل سياسي سقيم، لتنفتح بعدها، وعلى حين غرة، نافذة الحرية والدولة المدنية، ثم لا تلبث أن تغلق مجدداً (أو هكذا صوّر لهم)، ربما بأقوى مما كانت في السابق.

بل إن حالة التشاؤم تكاد تسيطر على الجميع، مع اتساع نفوذ تنظيم القاعدة، وبداية الصدامات بين السوريين في المناطق المحررة والجيش الحر من جهة، و»داعش» من جهة أخرى. هذا فضلاً عن تجذّر الإسلام السلفي في خطاب وسلوك مجمل كتائب وألوية الجيش الحر، وتراجع النزعة الوطنية لديها.

فعدد غير قليل منها بات يجاهر بهدفه الأسمى: «إقامة دولة الخلافة» حتى من دون أن يأتي على ذكر القضية التي نشأ واحتضن شعبيا من أجلها، أي الثورة السورية، ونظام الأسد الشمولي.

وكما أنه من غير العادل أن يضع أفراد «التيار الثالث» إشارة المساواة بين الثورة والنظام، وهو مما يدل على عقول عقيمة، سعيدة بتحنيط الواقع ورؤيته في كل لحظة على حدة، وكأنه ثابت لا يتغير، وبدون صيرورة تطورية. كذلك فمن غير المنطقي أن يقر البعض بانتفاء إرادة ومشاركة السوريين في المعركة بشكل نهائي، ويزيدون على ذلك بأطروحة مطلقة مفزعة في أن الخيار الصومالي أو العراقي.. الخ، هو ما ينتظر سوريا، أو ما بات محققاً بالفعل فيها.

هكذا يراد لنا أن نقع مجدداً، في شرك اليقين الذي وقعنا به، مع اندلاع الثورة. فحينها، عطل اليقين التام بسقوط النظام السوري، وخلال بضعة أشهر، وعبر التظاهر السلمي (البعض حدد شهر رمضان)، آلية التفكير بالبدائل، وترك تطور أشكال النضال للعفوية الشعبية، وأدخل جماهير الثورة في حالة «انتظار السقوط»، كما مسخ الواقع السوري المعقد، والذي يتضح يوماً بعد آخر مدى تعقيده، إلى «مثال» تونسي أو مصري، لن يلبث أن يتحقق مهما طال الزمن (والزمن هنا هو أشهر فحسب).

لازلت ممن يظنون، بأن الثورة السورية مستمرة، ليست كما كانت بكل تأكيد، فهذا مما لا يمكن إلا لأحمق أن يعتقده، أو يظن أن من الممكن أساسا أن تستمر ثورة لعامين ونصف العام على حالها. لكنها لم تسرق أو تموت، لا بطائرات ومدافع النظام، ولا بسيوف وسلطة داعش.

ذلك أن لكل ظاهرة مآلات، وإننا لنشهد مآلات وتطور الثورة السورية، منذ اندلاعها وحتى اليوم، وهي لا تزال حبلى بمزيد من المفاجآت والتعقيدات.

ولا زلت ممن يظنون أيضا، ورغم سيمفونية التيار الثالث التي تجرّم التسليح، وتعتقد، بفرط من السذاجة، أننا اليوم، وبافتراض التوصل إلى حل سياسي، نكون قد عدنا إلى خياراتهم الأولية. ففي نظرة مثالية للتاريخ وللصراع، يعتقد «الغانديون» هؤلاء، بأن الحل السياسي يتوقف على «عقلانية» الطرفين، هو مجرد قرار عقلي يأخذه هذا الفرد أو ذاك من الطرفين، متجاهلين أنه نتاج صراع سياسي، قدر له بسبب من طبيعة النظام وطبيعة حلفائه أن يكون صراعاً عنيفاً، حافلاً بكل هذا القدر من الدمار والموت.

هكذا وجد الشعب السوري نفسه أمام حتمية حمل السلاح أو الاستسلام لخيار الموت الذي أطلقه النظام. كما أن الشعب السوري ليس وحيدا في هذا المسار السياسي العنيف، إذ سبقته العديد من الشعوب في خوض حروب حقيقة ضد السلطة الشمولية المهيمنة من أجل نيل حريتها، هذا ما يحدده الواقع الموضوعي، وليس العقل الذاتي للنخب المنفصلة عن الواقع.

ومن دون دراسة «خصوصية» الحالة السورية، التي صدّع البعض رؤوسنا بها، يراد لنا أن نطابقها مع المثال العراقي والأفغاني وواقعهما البائس، فقط لأن القاعدة باتت موجودة لدينا.

يراد لنا إذن، تجاهل أن الواقع السوري الذي أثبت ثراء مكوناته، وتعدد تفاعلاته، وانفتاحه المذهل على التغيير الحاد، ربما يفاجىء أصحاب اليقين بتفكك سوريا، وانهيار الدولة، وتحقق النموذج العراقي أو الصومالي أو…الخ.

وكم كان ضاراً في بداية الثورة، سيادة اليقين، في عقلٍ مطمئن، شعر وكأنه امتلك التصور الحصري لشكل سقوط النظام، فإنه لضرر أشد اليوم، أن يسود اليقين المعكوس.


كاتب فلسطيني

8