عن التصالح الذي يحتاجه الفلسطينيون

الأربعاء 2017/07/26

في يوم الجمعة المنصرم، أوعز رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، لخطيبه الخاص ومستشاره ووزيره المُفضّل، إسماع الناس عبر شاشة التلفزة الرسمية، خطابا تصالحيا عالي النبرة مع جرعة من التأثيم المرير لإسرائيل. وكان ذلك بعد عودة عباس من الصين في ختام زيارته، التي قيل إنها قُطعت بتأثير ارتباك السلطة من انفجار أزمة البوابات الإلكترونية والانتفاضة التي تبعتها، وهي في الحقيقة انتهت بتمامها.

في تلك الخطبة المُوحى بها، وجب تأثيم الاحتلال بعبارات غير متداولة، ووجب أيضا استرضاء القوى والفصائل الفلسطينية لعلها تساعد على احتواء الموقف، لذا أعلن عباس، من خلال خطيبه المفوّه، قبل اجتماع لجنتيه المركزية والتنفيذية اللتين يتخذ منهما إطارا بديلا عن المؤسسات الدستورية، أنه يمد يده للجميع، ودون استثناء، علّ هذا الجميع يواجه مجتمعا، التحدي الصعب في القدس زهرة المدائن، وفي القلب منها المسجد الأقصى.

ومن المفارقات أن اجتماع اللجنتين مساء، جاء ليعكس بعض صدى خطبة الجمعة، عوضا عن أن تكون الخطبة انعكاسا لوجهة السياسة.

ولأن المنحى التصالحي ليس واردا في ذهن رئيس السلطة، بل ويراه الرجل خطرا على مكانته، لأن شبح المؤسسات الدستورية عندئذ، يلوح في الأفق، وكلما جرى الحديث عن مصالحات، فقد تراجعت فكرة مد اليد لأي طرف فلسطيني، أي الفكرة التي عبر عنها الخطيب، وقال إنها لن تستثني أحدا.

وليت الأمر اقتصر عن التغاضي عن الكلام التصالحي الذي قيل في لحظة عسيرة، وإنما أضيف إلى الممارسات التغالظ مع الطائعين أنفسهم، إن كان لدى أي منهم رأي آخر. فقد تطاول عباس لفظيا على ممثل فصيل له وجهة نظر، وهو، في هذه الآونة وفي ذلك الإطار “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”.

الفلسطينيون لا يزالون في حاجة إلى طبقة سياسية متصالحة، يمكن أن تفيد الحراك الشعبي. فمن شأن هكذا طبقة، عندما تكون متصالحة، أن تستجمع العقل السياسي لمجتمع يرزح تحت نير الاحتلال، ويمكن أن تعزز قناعات الشعب، وأن تضبط خطاه وفق برنامج عمل وطني.

لكن ما بدا لافتا هو أن السلطة الفلسطينية، انتظرت لحظة “الفرج” في الأقصى بالنسبة لها، لكي يعود الأداء إلى إيقاعه المعتاد، وتعود إلى التداول اللغة المثيرة للسخرية: دعوة حماس إلى حل اللجنة الإدارية في قطاع غزة، وأن السلطة ترفض إجراءات تهويد القدس، على نحو ما صرح به رئيس حكومة عباس الثلاثاء.

وكأن أحدا افترض أن السلطة تقبل تهويد القدس، لكي يصبح الإعلان عن رفض هذا التهويد خبرا يوضع مثلما أعلن رامي الحمدالله رئيس الوزراء.

وبالطبع، لا يبدأ التصالح مع حماس، بحل أو شطب أو تفكيك اللجنة الإدارية لقطاع غزة، وهي بمثابة حكومة ظل تمارس صلاحيات في ظروف غير وفاقية.

فالبدء في التصالح، يبدأ بتكريس الاستحقاقات الدستورية في الضفة أولا، ووقف إجراءات الحرمان والإقصاء للوطنيين وللمجتمع في غزة ضمن ما هو مطلوب أولا. لكن ما يبرهن على سوء النوايا، هو استمرار استهداف الموالين لسلطة عباس في غزة، وإقعاد العسكريين بالألوف، والتهيؤ لإقعاد الموظفين المدنيين، وهو سياق بدأ فعلا.

فكيف يريد عباس من حماس حل لجنتها الإدارية وهو ماض في حل من يفترض أنهم موظفوه وشرطته في قطاع غزة، الذين يحتاجهم في حال جاءت حكومته لتسلم الحكم في غزة؟ فالتوجه يكشف عن نفسه من خلال الإجراءات العملية الإقصائية، ومن خلال استمرار السلطة على ما هي عليه، من دون أي رقابة أو تشريع أو آليات ديمقراطية.

في أبريل الماضي؛ أعلن عباس من البحرين، عن قرارات حاسمة وغير مسبوقة، ضد حماس. اليوم نحن في نهاية يوليو، والأمور عادت إلى مجرد الطلب من حماس حل لجنتها الإدارية.

وفي أبريل اشتعلت المواقف المتضادة واختلط الحابل بالنابل في غزة حصرا، وظهر عجز حماس عن الأخذ بالتكتيكات المناسبة، إذ كان باستطاعتها الادعاء بالقول الذي يصدقه العمل، أنها باتت مع الناس في مركب واحد، وأن غزة موحدة في وجه الضغوط العَباسية. لكن الغلبة كانت لرعونة بعضها المتنفذ، التي جرى تداركها بعدئذْ بتفاهم قيادة حماس في غزة، مع الفتحاويين الإصلاحيين، في القاهرة.

اليوم كان يتعين على الجميع أن يستقي العبرة. تكتيكات الخصومة كلها ثبت غباؤها. بل ويصح القول، إن للحاكمين المتخاصمين في رام الله وغزة، عوراتهم المتساوية، التي أوجبت التخبئة وتحاشي الافتضاح.

والطرف الشجاع، هو من يفهم ويغيّر ويبدل، وهذا ما فعلته -حتى الآن- قيادة حماس في غزة. لقد أدرك طرفا التفاهمات الفتحاوية الحمساوية، أن الخصومة تضرب الشعب بأظافرها ولا تخدش الضالعين في تعميقها وإدامتها.

كاتب ومحلل سياسي فلسطيني

9