عن الحداثة والحداثة الأخرى

الحداثة التي "انتهت" في العالم، وبدأت حقبٌ أكثر تطورا بعدها، حسب المؤرخين، مع وضع الحرب العالمية الثانية أوزارها، لا تبدو أنها قد بدأت حقا في العالم الثالث.
الجمعة 2019/12/06
الدرس اللبناني درس علمي محض

المتتبّع لتطورات العصر العربي لن يكون بوسعه التمييز بسهولة ما بين حقبة وصفت بأنها حقبة تحديث شهدتها الدول العربية، وما بين ما تلى تلك الحقبة مما يجب أن يكون ثمار تلك الحداثة ونتائج تحققها وانعكاسات ذلك على السكان والمدن والأرياف وسواها.

ولا شيء يذكّر بتلك الحياة أكثر بلاغة من أبيات شكيب أرسلان أمير البيان العربي الذي قال يوما “حياةٌ كَانسيابِ الطّيفِ مُرّا/ بِدُنيا لِلفَناءِ هِيَ الفِناءُ/ إِذا كانَت نِهايَتُها خُفوتا/ فَأَطوَلُها وَأَقصَرُها سَواءُ”.

الحداثة العربية شيء فريد من نوعه. وظاهرة لا مثيل لها في أي مكان. لندع كل الشعارات والعواطف جانبا، ونقرأ في الخطاب الإعلامي الحالي وكذلك في لغة اللافتات في الشوارع أو في قواميس خطابات المحللين وحتى في الحلول التي يطرحها السياسيون ومنقذو الأوضاع من التدهور.

يكشف هذا كله، كيف أن قشرة هائلة تتفكّك اليوم، عاشت طويلا فوق رؤوسنا كخيمة غير قابلة للنقاش، ومثال ذلك بلاد أرسلان ذاتها “سويسرا الشرق” التي اتضح أنها إنما تقوم على معادلات قبلية وعشائرية وطائفية هشة أبعد ما تكون عن الحداثة والتحديث.

البعض يطلب منا أن نغضّ الطرف عن خصوصية بعض البلدان، ونراعي أن تركيبتها هكذا. لكن الدرس اللبناني درس علمي محض. لا يمكن لهذه العدّة أن تنتج دولة تقدّم كهرباء أكثر وزبالة أقل ومواطنين أقل شهية للانتحار. هكذا ببساطة.

طبقات بكاملها تنكشف ويزول عنها رداء الحداثة الذي كان يستر خلفه درجات عميقة من التخلف. الزعامة الإقطاعية والفردية والتوريث والاستثناءات والدستور الحصصي الذي يقوم على أسس غرائزية لا تثق بالمواطن ولا بالهوية الوطنية الجامعة. هذه الاعتبارات إذا وضعتها في آلة و”تروس” ومسننات الدولة لن تعطي نتائج عملية بأي صورة من الصور. كلها فقاعات سرعان ما تنفجر في الهواء منتجة الهواء ذاته لا غير.

الممتع أكثر هو أن ذلك الانحسار لا يقتصر على طبقات بعينها، بل يشمل الجميع، ومن يدقق سيرى أنه حتى أولئك الذين يقبعون داخل مظلومياتهم، لديهم الكثير مما يستوجب التغيير وإعادة النظر، ومحاسبة الذات. بدءا من القيم الأساسية واليوميات، وصولا إلى القناعات الكبرى.

الحداثة التي “انتهت” في العالم، وبدأت حقبٌ أكثر تطورا بعدها، حسب المؤرخين، مع وضع الحرب العالمية الثانية أوزارها، لا تبدو أنها قد بدأت حقا في العالم الثالث. وما توصف بأنها كانت استجابة لطروحات علمية وفلسفية عديدة ظهرت في العالم، لم تقابلها طروحات من الثقل ذاته في عالمنا الغني بالموارد، الفقير بالخيال الخلاق الذي يفسّر، وحده، لماذا حياة أهل الشرق حقا “أَطوَلُها وَأَقصَرُها سَواءُ”؟

24