عن الحق في الحب

الخميس 2015/04/09

لماذا نحب؟ هل هناك حاجة طبيعية تدفعنا إلى الحب؟ لماذا نضحي بكل شيء من أجل الحب؟ لماذا نضحي أحيانا بوجودنا من أجل الحب؟ وبالأحرى، ما الذي يدفعنا إلى الشعور بالحاجة إلى الحب؟ عماذا نبحث في الحب؟ ندرك بأنّ هناك دافعا بيولوجيا طبيعيا يقودنا للشعور بالجوع، أو العطش، أو حتى الرغبة في ممارسة الجنس (الجنس ممكن بلا حب، وهذا ما يزعج النساء!).

ثمة دوافع طبيعية تحملنا على الرغبة في الأكل أو الشّرب أو الجنس أو حتى الإنجاب، ونحتاجها لأجل “وهم” البقاء أو بقاء النوع (لعلّه “وهم” آخر) لذلك نتحدّث عن الحق في التغذية، وعن الحق في الزواج، وعن الحق في السكن، إلخ، فلِمَ لا نتحدّث عن الحق في الحب؟ لكن، ما مصدر هذا الحق المفترض؟ ما مشروعيته؟

نعم، يلهمنا الحب في الإبداع والكتابة والرسم والموسيقى، ويلهمنا في قيم التضامن والتكافل والتعاون والنضال لأجل السلم والبيئة والمساواة، إلخ، وهذا رائع طالما من سمات الحب أن يفيض عن الجزء إلى الكل، عن الخاص إلى العام، عن السرير إلى الفضاء العمومي، لكننا نتساءل هنا عن الدافع الأصلي للحب.

ما الذي يدفعنا إلى الحب؟ هل ثمة من دافع طبيعي غريزي نتقاسمه مع سائر الثديات، أو يخص البشر بفعل طفرة جينية معيّنة، أم أن الحبّ إحساس فوق-طبيعي، هدية من السماء، لكنها هدية قد تكون مسمومة؟

يختلف الحبّ عن كافة أفعال الإدراك العقلي أو الحسي. ومثلا، حين نفكر، فإننا نفكر في موضوع ما. حين نرى فإننا نرى شيئا ما. حين نحزن فإننا نحزن بسبب حادثة ما. لكن الأمر يختلف في حالة الحب. هنا يكون الحب أولا، ثم نبحث لهذا الحب عن موضوع. فما الحب؟

في تجربة الحب يرغب الإنسان في أن يحظى بالاعتراف المطلق بكينونته باعتبارها غاية في ذاتها. أنا أحبك ليس كوسيلة للمال أو السلطة أو الشهرة أو أي جزاء دنيوي كان أم أخروي، أنا أحبك ككينونة مطلقة، أنا أحبك أنت بالذات، وأنت كذات متفرّدة ولا تتكرر إلى ما لا نهاية، أنا أحبك، إذا فأنت بمنزلة الوجود الكلي والمطلق والواحد الأحد.

لهذا السبب “المريب” أنكر الفقهاء قيمة الحب معتبرين أنه ضرب من ضروب الشرك، ومقتصرين على ما يسمّى بآداب النكاح، والتي أبدعوا فيها أحيانا أيّما إبداع.

يدرك الإنسان هشاشته وتناهيه، فتصبح لحظات الحب بالنسبة إليه نوعا من التعويض -ولو مؤقتا- عن كينونة سائرة نحو الشيخوخة والموت والاندثار.

ذلك التعويض مجرّد وهم في الأخير، لكنه وهم ضروري لتفادي التعلق الوسواسي بـ”الثوابت” و”الهويات” و”اليقينيات” كتعويض عن وهم الخلود. فعلا، إنّ الحب لدواء للتعصب.

24