عن الدولة العميقة

أطر الدولة العميقة التي زرعها أوباما في الحديقة الخلفية لحزبه هي ما يقف وراء اختيار شخصية ضعيفة مثل جو بايدن مرشحا للديمقراطيين فهو في حال فوزه سيكون مجرد "خيال مآتة".
الجمعة 2020/10/23
مساع ديمقراطية لإعادة تأهيل الحقبة الأوبامية

تعتبر استطلاعات الرأي الشعبية شأنا عاما وتقليدا إعلاميا يساعد في رصد مجريات الانتخابات الأميركية الرئاسية منذ أمد بعيد. إلا أن أرقام الاستطلاعات التي واكبت انتخابات الرئاسة السابقة في العام 2016 جعلتها موضع شك كبير بعد أن كانت المرشحة هيلاري كلينتون تتقدّم منافسها دونالد ترامب بشوط واسع؛ إلا أن فوز ترامب الجمهوري أسقط كل تلك الاستطلاعات، مُحدثا صدمة سياسية كبرى أصابت كلينتون وحزبها الديمقراطي، وكانت صدمة مربكة لأركان الحزب لم يستفق منها حتى تاريخ كتابة هذه السطور.

لا نعرف إن كان التاريخ سيكرّر نفسه في انتخابات 2020 التي يتقدّمها جو بايدن في استطلاعات الرأي محرزا تفوّقا واضحا على منافسه الرئيس الحالي ترامب، أم أن النتيجة ستأتي مخالفة لواقع الأرقام ويُنتخب ترامب لولاية رئاسية جديدة مخيّبا من جديد آمال وطموحات الديمقراطيين الذين لم يكونوا ليقبلوا به رئيسا في يوم من الأيام؛ وقد كانت محاولات منافسي الرئيس لإزاحته من البيت الأبيض متكررة بكافة الطرق المشروعة أو الملتوية منها، واعتمدت على حرب إعلامية شرسة ضده وضد أي تحرّك يقوم به، مقلّلة على أيّ حال من قيمة إنجازاته سواء في الداخل الأميركي أو على صعيد السياسات الخارجية.

وحتى نكون منصفين، لا بد لنا من أن نُدرج واقع المعسكر الديمقراطي الذي يمثّله بايدن في هذه الانتخابات، ونضيء على مسيرة الرجل السياسية وإنجازاته في المواقع السيادية والحزبية التي تبوّأها.

كتب جو بايدن في تصوير رؤيته السياسية والاجتماعية لمستقبل أميركا ما بعد دونالد ترامب، وهي الرؤية التي نشرها على موقع حملته الانتخابية لرئاسة الولايات المتحدة الأميركية الذي أطلقه في العام 2020، قال “نحن اليوم نخوض معركة استعادة روح أميركا. لقد حان الوقت لنستعيد شخصيتنا. نحن الأميركيين شعب حازم ومرن في آن، ودائما يقودنا الأمل. نحن الأميركيين نتعامل مع بعضنا البعض بكرامة. دعونا نُعيد بناء الطبقة الوسطى التي تميّز مجتمعنا بتنوع أعراقه وقومياته وأصوله بين أسود، ولاتيني، وأبيض، وآسيوي، كلنا يد واحدة. دعونا معا نمنع الانتهاكات الهائلة للسلطة السياسية التي نراها اليوم. دعونا نفكّر جميعا بعمق ونستشرف أفضل أيامنا التي لم تأت بعد”.

وتعتبر انتخابات الرئاسة القادمة ثالثة الحملات الانتخابية التي يطلقها بايدن؛ فقد سبق وأن رشّح نفسه عن الحزب الديمقراطي مرتين. أما القاسم المشترك الأعظم في الحملات الثلاث فهو جموح بايدن المستمر للوصول إلى المكتب البيضاوي في البيت الأبيض. فهل ستُثمر مساعيه في هذه الجولة الانتخابية ويصل إلى حكم الولايات المتحدة علما أن عمره، في حال فوزه، سيكون 78 عاما لحظة تنصيبه، الأمر الذي يعيدنا إلى طبيعة ميول الناخب الأميركي الذي يصوت عادة لمرشح يجده مناسبا في العمر والكفاءة في آن؟

يرى بايدن أن حكم ترامب قد شوّه سمعة البلاد في الخارج، بل وقوّض قدرتها على تحقيق أهداف سياستها الخارجية. وبالمقابل، قدم بايدن نفسه كمخلّص لأميركا من مطبات سياسات ترامب، موضحا رؤيته الخاصة للسياسة الخارجية التي قال إنها ضرورية لاستعادة مكانة الولايات المتحدة في سدة القيادة العالمية، بما في ذلك العمل مع دول العالم على تحقيق أهداف جماعية. يقول بايدن منتقدا الطبع المتعجرف الذي يتّسم به ترامب، واصفا إياه بأنه غير كفء للقيادة العالمية ولا المحلية “أعتقد أن التهديد الذي يمثله الرئيس ترامب لأمننا القومي كدولة هُوَ على درجة عالية من الخطورة”.

قد يكون من المبكّر جدا الاعتداد بأرقام الاستطلاعات الأولية، ولكن ما نستطيع أن نجزم به هو أن بانتظار بايدن معركة حامية الأوار سيخوضها بأدوات تقليدية أمام حالة سياسية مستجدّة في البيت الأبيض، رغم كل ما يشوبها من عيوب، إلا أنها جلبت البحبوحة المالية للناخب الأميركي الذي سيعتمد كلا المرشحين على صوته، حيث بقي الاقتصاد الأميركي قويا ومنيعا لا يهتز حتى مع أزمة كورونا التي عصفت باقتصادات عالمية.

أما آخر المستجدات في واشنطن قبيل أيام معدودة من توجّه الناخب الأميركي إلى صناديق الاقتراع، فكان إطلاق سراح الآلاف من الرسائل الإلكترونية الرسمية لهيلاري كلينتون حين كانت وزيرة للخارجية، وقد انتشرت بسرعة النار في الهشيم بعد أن رفع الرئيس ترامب السرية عنها، الأمر الذي حشر منافسَه جو بايدن في زاوية لا يحسد عليها  بسبب المعلومات المسرّبة عبر تلك الرسائل والتي ترتبط بمرحلة كان بايدن فيها نائبا للرئيس الأسبق أوباما لمدة ثماني سنوات، بل كان أحد مهندسي الاتفاق النووي مع إيران الذي وقعه وزير الخارجية الخلف لكلينتون، جون كيري، وانسحبت منه أميركا في عهد ترامب في العام 2018.

لن تظهر نتيجة الانتخابات في اليوم الانتخابي نفسه كما جرت العادة بسبب لجوء الملايين من الأميركيين هذا العام إلى التصويت عبر البريد الورقي نظرا لظروف التباعد الاجتماعي التي فرضتها جائحة كوفيد – 19، وبانتظار النتائج النهائية سيكون على الأميركيين والعالم الترقّب لأسابيع قبل أن تحدّد أرقام الصناديق الانتخابية اسم الرئيس الأميركي الفائز بالانتخابات، هذا اللهم إذا لم يذهب أحدهما إلى المحكمة العليا لحسم اسم الفائز بكرسي المكتب البيضاوي كما حدث في انتخابات المتنافسَين جورج بوش الابن الجمهوري، وآل غور الديمقراطي، في العام 2000.

يبقى أن نشير إلى أن أطر الدولة العميقة التي زرعها باراك أوباما في الحديقة الخلفية لحزبه هي من تقف وراء اختيار شخصية ضعيفة مثل جو بايدن مرشّحا للديمقراطيين. فهو في حال فوزه على منافسه الجمهوري سيكون مجرد “خيال مآتة” يحرس البيت الأبيض، بينما “طيور الدولة العميقة” هي فعلا من سيُوجّه الدفة هناك مستعيدة شخوصا ارتبطت بعقيدة أوباما وبأهدافها من أجل إعادة تأهيل الحقبة الأوبامية في السنوات الأربع القادمة من مجريات الحياة الأميركية ومستقبل علاقة الولايات المتحدة مع العالم.

8