عن الرؤى الدينية في الصراع العربي الإسرائيلي

الجمعة 2013/09/06
أحمد عزت سليم يرفض اختزال الصراع العربي الإسرائيلي

أغلق الباحث والروائي المصري أحمد عزت سليم الباب أمام أي تأويل، حين قطع بأن المملكة العبرية مجرد "أوهام لا نهاية لها"، وكان عليه أن يترك عنوان الكتاب فضفاضا وقابلا ليس لتعدد الرؤى فقط، وإنما لكي يصل القارئ بنفسه، بعد الانتهاء من القراءة، إلى أن (مملكة داوود وسليمان العبرية.. أوهام لا نهاية لها)، وما بين الأقواس هو عنوان الكتاب الذي حمل في أولى صفحاته الداخلية عنوانا أكثر إيضاحا هو (دراسة نقدية في لاهوت العنصرية الإسرائيلية).

سيجد القارئ الذي تأكد له انحياز المؤلف، ولابد أن يكون منحازا بالطبع، سيلا من المراجع والمصادر والأدلة العربية والعبرية، تسجل أن السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين تنطلق من تصورات دينية لليهود عن الأغيار، ومنهم العرب.. ولكن أحمد عزت سليم في الوقت نفسه، يرفض أن يتحول الصراع العربي الإسرائيلي إلى صراع ديني، وإن كان الدين حاضرا كجوهر أو قناع للتوحش السياسي العنصري.

فالرؤى الدينية تحدد الاستراتيجيات العسكرية لإسرائيل، وفي هذه الرؤى يختلط الأسطوري بالواقعي، والماضي بالحاضر، حيث "يصير التاريخ لاهوتا واللاهوت تاريخا"، انطلاقا من اقتناع مؤسسي وقادة إسرائيل بأنهم ورثة مملكة داوود وسليمان القديمة.


دحض القداسة


المؤلف الرافض لاختزال هذا الصراع ذي الطبيعة الحضارية السياسية المركبة، واختصاره في البعد الديني فقط، يعتبر هذا التلخيص خطرا يهدد كيان المجتمع العربي، "ويفضي إلى تغييب حقيقة الكيان الصهيوني العنصري ككيان استيطاني احتلالي ذي وظيفة قتالية، وكقاعدة استعمارية استراتيجية للغرب"، مستشهدا على هذا الاستنتاج بقول تيودور هرتزل، أبرز القادة اليهود منذ المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية عام 1897، إن "اليهود عندما يعودون إلى وطنهم التاريخي ( فلسطين التاريخية) سيفعلون ذلك بوصفهم ممثلين للحضارة الأوروبية".

ويقع الكتاب في 284 صفحة كبيرة القطع وأصدرته هيئة قصور الثقافة. وهو يكمل الوجه التاريخي أو البحثي لرواية "الطوراة" التي صدرت لأحمد عزت سليم قبل نحو ثلاث سنوات.

ولا يسعى الكاتب إلى شيطنة إسرائيل، أو صناعة أسطورة حول هذا الكيان، ولكنه لا يغفل دور التصورات الدينية التي تجعل "من اليهود البشر الوحيدين مركزا للقداسة، وتجعلهم الشعب البشري الوحيد الأسمى والمختار، وتجعل الدولة دولة أنبياء ومملكة كهنوت… يصبح الوجود اليهودي والبقاء اليهودي كغاية مرتبطين بنفي الآخر ومحوه" كأنه يطرح هذه المعادلة.. نكون أو يكونون.

ويقول إن "لاهوت العنصرية الإسرائيلية، كطاقة مقدسة، تؤثر بقوتها العلوية وتفردها العنصري على ما هو غير مقدس، وتصير مبررا للامساواة والاستغلال والحروب… تقف خلف السلوك في مستوياته المختلفة" التي تمنح المبرر النفسي، والغطاء الأخلاقي، لسلوك الإسرائليين تجاه غيرهم، وفي مقدمتهم الفلسطينيون والعرب.


سيف ودماء


من الطبيعي أن يشمل سياق الكتاب فكرة النقاء العرقي لليهود، وهم ليسوا عرقا نقيا، ولا شعبا مختارا، بل تتنوع المستويات الثقافية والعرقية للجماعات اليهودية والأفراد اليهود الذين تتفاوت مستوياتهم العقلية والثقافية تبعا للمجتمعات التي عاشوا فيها، فلا يتشابه يهود إثيوبيا ويهود غرب أوروبا مثلا.

ولا تقتصر العنصرية الصهيونية على القادة العسكريين أو الساسة، ولكنها تبدو داء أو مرضا يصاب به أدباء وشعراء، بعد قيام إسرائيل وقبل لك، بدليل قول الشاعر الروسي شاؤول تشرنحوفسكي (1875-1943) في إحدى قصائده: "نرضع من أنهار الدم رشفة رشفة / قطرة قطرة / نسكر من الحزن ونسكر من الآهات". وفي قصيدة أخرى بالعبرية أيضا يقول تشرنحوفسكي:

"وأجعل سيفي يشرب فخورا من دمهم / وستستحم خطواتي في دماء الصرعى / وتدوس قدماي على شعر رؤوسهم / سأقطع من يمين وأحصد من شمال / فقد اشتعل غضبي وصار جحيما / لقد ضايقني كثيرون… لن يبقى أحد بعد المذبحة / نعم سوف أفنيهم جميعا".

وفي الصراع العربي الصهيوني يتعارض الوجود العربي بالوجود الصهيوني، ولهذا يرى المؤلف أن الحلول التلفيقية المعبرة عن ميل ميزان القوى لصالح إسرائيل، الآن على الأقل، تؤجل حسم الصراع في هذه المرحلة، ولن تكون المواجهة مجدية إلا في إطار الروح النقدية الموضوعية والعقلانية، لخريطة الصراع العالمي.

وترجع أهمية الكتاب إلى إحاطته بعناصر لاهوت العنصرية الإسرائيلية، هذا اللاهوت الذي يشمل طبقات ومستويات التنوع الجغرافي والأنثروبولوجي لجماعات بشرية مختلفة، لا يضمها تاريخ مشترك، ولا تراث واحد ممتد، ولكن هذا النزوع العنصري وجد أرضا خصبة في التحالف الاستعماري الغربي الذى يسعي لإحكام سيطرته على العالم.

يصدر الكتاب وسط أجواء الهوس الديني الطائفي في مصر، وبعض الدول العربية، والتي تدفع بالأمور إلى تقسيم البلاد، والعالم أيضا، إلى فسطاطين.. دار الإسلام ودار الكفر، ويصبح المواطنون مسلمين وكفارا، ويضيق الوطن بغير المسلمين أولا، ثم بالمسلمين المختلفين في المذهب ثانيا، ثم بغير المنتمين إلى الإخوان ثالثا.

هكذا يكون الدين.. دينا.. ميتا، يضل طريقه إلى الهدف المنشود، ولكنه يهدم الوطن الذي لن يكون وطنا.

14