عن السنة اللبنانيين و"التطرف"

الثلاثاء 2014/10/28

منذ استيلائه على السلطة عام 1971 وتعيين نفسه “رئيساً إلى الأبد” في سوريا. عكف الرئيس “العلوي” حافظ الأسد على القضاء على كافة خصومه السياسيين من الطائفة السنية، ولم يستخدم منهم سوى القلة ممن بقوا على ولائهم “للعائلة” حتى اندلاع الثورة- الانتفاضة في عام 2011.

وبعد تحجيم دور السنة وإقصائهم عن المناصب “العسكرية والاقتصادية” المهمة في البلاد، توجهت هواجس القيادة “العلوية الأقلية” الحاكمة في سوريا إلى تحجيم، أو إبادة، أو إزالة الجغرافيا السنية في المنطقة، من خلال دعم كيانات مذهبية في البلدان التي يشكل فيها التوازن الطائفي هيكلية نظامها القائم، كدعم الطائفة العلوية في الشمال اللبناني، واقتطاع الامتيازات لصالح حلفائه الجدد في المنطقة.

السنة في لبنان كانوا على رأس جدول أعمال النظام السوري طيلة فترة احتلاله، عقاباً على دعمهم المطلق للثورة الفلسطينية وقائدها ياسر عرفات ألدّ أعداء الأسد، والعقبة الرئيسية أمام مشروعه في الهيمنة المطلقة على الساحة اللبنانية.

أما اليوم فالسنة يجدون أنفسهم بلا غطاء، والغالبية التي ما زالت تنتظر الحلول من مؤسسات الدولة على المستوى الأمني، بدأت تعيد النظر في شعارات الحياد التي رفعتها قياداتها السياسية “الغائبة” أساساً في سياق التفاعل اليومي مع تداعيات الحدث السوري، وبروز عناصر جاذبة للجمهور السني، مع تقدم “داعش” وتصاعد نفوذها في سوريا والعراق.

لقد شكل اغتيال الرئيس رفيق الحريري خللا كبيرا على مستوى الشارع السني، والقدرة على استيعابه من جديد ستكون مهمة مستحيلة مع تحول لبنان إلى ساحة مفتوحة أمام تنوع الخيارات في التيارات الإسلامية “المتطرفة”.

هذه الحركات بدأت تنمو وتستقطب مناصريها بسرعة نتيجة الخوف من القوة العسكرية لـ“حزب الله” بعد تجربة “7 أيار 2008” المريرة. وفشل الدولة في تأمين “الحماية” اللازمة للشارع والمؤسسات السنية، مما أسس لعلاقات تزداد توترا مع المؤسسة العسكرية، من عرسال إلى مدينة طرابلس “خزان السنة البشري” في لبنان، حيث تدور بشكل يومي تقريباً معارك عنيفة بين الجيش اللبناني و”المتطرفين”.

ووسط أنباء عن توقيع “جبهة النصرة” وتنظيم “داعش”، إضافة إلى كتائب إسلامية متحالفة معهما، وثيقة تقضي بأن تقاتل جميعها ضد قوات “حزب الله اللبناني”، تبدو الساحة اللبنانية مرشحة أكثر من أي وقت للانزلاق في هاوية الخيارات الصعبة، مما يطرح العديد من التساؤلات حول الدور القادم للشارع السني، وهل يتحول إلى “بيئة حاضنة للتطرف” في ظل توازن الرعب بين “حزب الله، و’داعش’ والنصرة”.

يقول الكاتب السياسي اللبناني لقمان سليم؛ “في شباط 2005 مشى حشد من اللبنانيين- تلبيةً لنوازعَ شتى في درجة اختمارها السياسي أكْثَرَ منه تلبيةً لنفير مركزي- مشى هذا الحشد وراء نعش رفيق الحريري هاتفاً بشعاراتٍ منها المكرور، ومنها المُدهش لبعضٍ من أهل القتيل أنفسهم من حيث جِدَّته على الأذن اللبنانية، ومن حيث جرأته على النظام البعثي الذي كان جيشه ما يزال على احتلاله الصريح للبنان تحت عناوين الأخوة والصداقة.

لعلَّ السنة كانوا الأعَدَّ من جمهور ذلك الحشد ولكنَّ هذه الكثرة العددية، وهنا المفارقة، رجَّحت يومها لبنانية التشييع الذي حظي به القتيل ولم تنتقص منها. فالخلاصة التي استخلصها “غير السنة” من هذه الأرجحية هي أن تشييع رفيق الحريري، وما تلاه وصولاً إلى لحظة 14 آذار، كان من السنة اللبنانيين في محل طقس المعمودية المُثَبّت لهم في تقديم الكيانية اللبنانية على سواها من الأهواء العابرة للحدود تثبيتاً لا رجعة عنه ولا ارتداد.

والحقّ أن معظم المؤشرات، من يومذاك حتى عام 2008، كانت تتضافر لتؤكد واقعية الأخذ بسيناريو المعمودية هذا. أما المؤشرات المضادة فكانت تنسب، من باب السكوت على مضض أو المجاملة الممالئة، تارة إلى حداثة المؤسسة الوارثة لرفيق الحريري في العمل السياسي، وتارة أخرى إلى تسليمها بما يُسدى إليها من نصائح دونما إقامة أي وزن لمزاج الشارع السني، علماً أن هذا الشارع، لا سيما في أطرافه وحواشيه، لم ينقطع يوما، ولو في حدود دنيا، عن التفاعل مع المحيط في انفعالاته، بما فيها انفعالاته الأشد ضراوة ودموية.

وبطبيعة الحال لا يستقيم الحديث عن تلك المؤشرات المضادة في المطلق، وإنما بوصفها ردود أفعال تتراوح بين الخطل وبين قلة النظر، وتتراوح المسؤولية عنها بين المؤسسة الحريرية على المستوى الداخلي، وبين الرعاة الإقليميين والدوليين للمؤسسة الحريرية (و14 آذار عموماً). ردود أفعال على سياسات لم ينفك حزب الله وحلفاؤه في الداخل والخارج يحاولون من خلالها احتواء الفتق الكبير الذي أصاب مشروعهم مع صدور القرار 1559، وهو الفتق الذي اتسع أكثر وأكثر مع التمديد لرئيس الجمهورية الأسبق إميل لحود ثم مع اغتيال رفيق الحريري.

إن صح ما تقدم، أو أقله شيء منه، فبيت القصيد ليس هل أنَّ السّنّةَ اللبنانيين بيئةٌ حاضنة، بالتاريخ أو بالعقيدة، للتطرف (أو مشروعُ بيئة حاضنة للتطرف)، بل هو لماذا يبدو جمهور السنة، في عيون قياداته (المعتدلة) كما في عيون الآخرين، وكأنه نزع نفسه من اللبنانية التي تبوأ طليعتها في عام 2005؟ أقول يبدو لأن المسألة، في مكان ما، مسألة نَظَرٍ، بالمعنى الحرفي للكلمة.

لا محل في هذه العجالة لتعليل مستفيض تُؤازره الشواهد، ومن ثم فالأحوط لربما الاكتفاء باقتراح إضاءتين، بصيغة سؤالين، على هذا النقاش فلا يتحول من حيث يدري المرء أو لا يدري إلى جدل بيزنطي:

1 - إلى أي حد يستقيم القول إن تأزم العلاقة بين القيادات السنية التي تنسب نفسها إلى الاعتدال، وبين جمهورها الذي تكسرت السهام على السهام في صورته عن نفسه- ونكتفي بالتأريخ لذلك من اغتيال رفيق الحريري إلى تسفيه نجله سعد بإسقاط حكومته عام 2011 في ما كان مجتمعاً بالرئيس أوباما، مروراً بحملة أيار 2008 التأديبية، ثم بالمصالحة القسرية القصيرة بينه وبين بشار الأسد- إلى أي حد يستقيم القول إن ذلك التأزم هو من أسباب ابتزاز هذا الجمهور لقياداته تلك بإبدائه التعاطف مع “التَّطَرّف”.

2 - استطرادا، إلى أي حد يستقيم القول إن فَشَلَ تلك القيادات السنية، وريثةِ دم رفيق الحريري شاءت ذلك أم أبت- فَشَلَها في توضيب “تطرف” برسم استهلاك جمهورها، مساوٍ لـ”تطرف” حزب الله وشركائه المُوَضَّب تحت مسمى “المقاومة”- هو أيضاً من أسباب إعراض الشارع السني اللبناني عن مأدبة “الاعتدال” التي تدعوه قياداته إليها.

حَسْبُ المرء أن يُجيب بأن أحدَ الافتراضين، ليس إلا، صحيح ليتلمس أسبابا لما يُوحي به بعض الشارع السني اللبناني، اليَوْمَ، من ترحيب بـ”التطرف” ومن تقديم لسنيته، بوصفها أرضية مشتركة يعتصم بها، إلى جانب “سنة” آخرين، على لبنانيته. من هنا إلى الجزم بأنَّ هذه الطائفةَ أحْضَنُ بيئةً للتطرف من تلك، فخُرافةٌ لا يُعادِلها إلا الزَّعْمُ بأنَّ تلك الطائفة أحضن بيئةً للاعتدال”.

ومع أن الثقافة السياسية للمواطن اللبناني من السنة لا تسمح له بأن “يهضم الأفكار الأيديولوجية” كثيراً، فقد بدأ يستعد للانخراط في المفاهيم “الدينية الجديدة”، بعد شعوره بالخيبة نتيجة لانكفاء مشروع البعد العربي “المعتدل” الذي شكل حمايته التاريخية في المنطقة.


كاتب لبناني

9