عن السينما الخالصة

الأربعاء 2015/10/28

يعتقد البعض أن “السينما الخالصة” وصف يطلق عادة على الأفلام التي تعلي من شأن التعبير الدرامي عن طريق الصورة، أو تعتمد على الصورة فقط، وتقلل كثيرا من شأن الحوار أو تلغي وجوده تماما، أي أن السينما الخالصة ترادف السينما الصامتة (المصحوبة بالموسيقى فقط).

هذا الاعتقاد خاطئ تماما، فالحوار جزء أساسي من الفيلم ليس من الممكن الاستغناء عنه، وهو لا يلغي خاصية نقاء الفيلم أي تخلصه من المؤثرات الأخرى القادمة من المسرح والأدب وغير ذلك من الأجناس الفنية الأخرى.

ويمكن القول إن “السينما الخالصة” هي نقيض “السينما القصصية”، أي نقيض السينما ذات السياق القصصي التي تعتمد على تقديم شخصيات وأحداث في إطار زماني ومكاني محدد مهما اختلفت الأماكن وتداخلت الأزمنة، وذلك بغرض توصيل “رسالة” ما من خلال “القصة” أو “السياق القصصي”، بينما السينما الخالصة أقرب إلى الموسيقى في تجريديتها.

تتخلص السينما الخالصة أولا من عقدة القالب القصصي، لأن هدفها ليس رواية قصة داخل سياق فني معين، أو التعبير عن أفكار “أدبية” في الفيلم، بل تحرير الفيلم من سطوة الأدب والمسرح، والسعي إلى توصيل أحاسيس ومشاعر وخلق حالة ذهنية لدى المتفرج، أكثر من رواية أحداث متسلسلة، وهي تهتم أكثر بالعلاقات بين الصور، وتركز على التناغم أو التنافر الذي يمكن أن ينتج عن عملية “المونتاج، ليس في “فهم” واستيعاب الفكرة، بل في المعاني المختلفة التي تدور حول الفكرة دون أن تقطع معها.

إن السينما الخالصة سينما تستخدم العناصر السينمائية المميزة للفيلم: الفضاء السينمائي، التداخل بين الصور، التناغم بين الألوان، الإيقاع، الحركة، استخدامات الصوت التعبيرية، إلخ… من أجل التعبير عن رؤية وليس مجرد رواية قصة بطريقة تقليدية، لكنها يمكن أيضا أن تروي قصصا.

أما من الناحية العملية والأقل غلوّا في التطرف، فالسينما الخالصة هي السينما التي تملك وسائل “سينمائية خالصة” للتعبير عن الموضوع، أي عن “الرؤية” الخاصة بالمبدع السينمائي، أي نقيض المخرج الحرفي الذي ينفذ السيناريوهات التي يسند إليه إخراجها بطريقة حرفية فقط، دون أن يضيف إلى الفيلم شيئا من عالمه الفكري والفلسفي.

هنا نجد مثلا أن أكثر الجوانب الفنية في العمل السينمائي سينمائية، هي حركة الكاميرا، والمونتاج، أي الإيقاع الذي ينتج عن توليف اللقطات، واستخدام عنصر الزمن السينمائي (وهو غير الزمن الواقعي). والمونتاج عنصر أساسي أيضا في خلق ذلك الزمن السينمائي.

ومع ذلك فالسينما الخالصة تعتمد أيضا على الاستخدام الفني للإضاءة والصوت والموسيقى والألوان والتكوين التشكيلي في اللقطات باعتبار هذا الاستخدام جانبا بصريا بالدرجة الأساسية، وليس أحد جوانب الشرح، أو الحكي اللفظي كالحوار بين الشخصيات الذي يعدّ سمة للمسرح.

السينما الخالصة ليست إذن، سينما “تجريدية” أو تجريدية بالضرورة، بل يمكن أن تصوغ قصة، ولكن من خلال اللغة البصرية- السمعية والتلاعب بتلك الأدوات من أجل توصيل حالة ذهنية أو حالة شعورية لدى المتفرج، وهذا ما كان يحاوله بل ويعبر عنه، سيّد دراما التشويق ألفريد هيتشكوك.

إن بناء اللقطة والمشهد في السينما الخالصة (كتكوين وحركة وضوء وصوت) أهمّ كثيرا من بناء الشخصيات والحبكة ودفعها إلى الأمام نحو الذروة.

والسينما الخالصة بالضرورة، ضدّ السينما الأيديولوجية الموجهة، سينما الرسالة البسيطة المباشرة، فمحيط السينما الخالصة لا نهاية له، لأنه يعتمد على الخيال وعلى الإبداع اللامتناهي، في حين أن سينما الرسالة الأيديولوجية تخضع لقوالب جاهزة، وأفكار مسبقة محددة ومحكومة.

وليس صحيحا أن السينما الخالصة قد انتهت من العالم بل موجودة، ولعل أبرز مثال عليها، هي الأفلام التي يخرجها المخرج الفرنسي جون لوك غودار.

ناقد وكاتب سينمائي من مصر مقيم في لندن

16