عن الشعر والوقت والجامعة

الاثنين 2016/02/08

كان التدريس في الجامعة إحدى متعك الكبرى، وكنت تجد في محاضراتك المبكرة ما تجده في مطر صباحي يتنزه في مدينة نظيفة. ولأنك تختار الصباح دائما وقتا لمحاضراتك تلك، فإن هذا التشبيه لا مبالغة فيه. كنت تلتقي كل يوم في بدايات نهار يندفع أمامك مشوبا برائحة الحبر وهواء القاعة، أنت وتفاصيل تتكرر: إصبع الطباشير الذي يتآكل، دون ملل، في كل لحظة. جيل متلهف، يتشكل أمامك كل يوم. بينما تتنقل عيناك الغائمتان بين همهمة ممتعة، وسماء ترتفع وتتسع آخذة معها بعضا من صخب الناس أو غبارهم الخفيف.

كنت تعايش يوميا، نهارا يبني ملامحه، وطلبة يعيدون إليك شيئا من ماضيك. لحظة بهيجة أو شجية، تعيدها إليك، لمسة من المرح أو اللامبالاة، أو قدحة من الفطنة الغضة. ربما فرحتك الأولى وأنت تصغي، بخجل مشوب بالغرور، إلى ثناء أستاذك على قصيدتك في أمسية البارحة، أو في جريدة اليوم.

قرابة عشرين عاما من العشرة الحميمة، الطيبة، مع كائنات هذا العالم الذي يأخذ طريقه الآن إلى الذاكرة؛ خزينٌ وفيرٌ من المواقف والعواطف والأفكار والانفعالات، سيمدّك، دون شك، بالكثير من الشجن أو البشاشة، وستذكر تفاصيلها بلهفة وشغف محببين.

ولأول مرة، في حياتك الجامعية، تتمدّد إجازة الصيف، وتتسع، وتتراخى. أكثرُ من شهور أربعة بين عمان المسترخية على تلالها السبعة، ومدينة بولو التركية محفوفة بالجبال ونداءات القرويين القادمين من الضواحي، ولندن التي تحتفي بمقدم الخريف حافيا إلاّ من المطر ووحشته المعهودة. وأخيرا، بغداد التي خرجت، نهائيا وإلى الأبد، من عداد المدن التي تصلح للفرح أو المحبة. هكذا أنت الآن، لا شيء من نداءات العمل، أو ضغوطه المعززة برغبات الداخل تارة والمجردة منها تارة أخرى. وبينما أنت تتذكر ذلك كله،أراك تصغي، في اللحظة ذاتها وبعمق خاص، إلى صوت ت. س. إليوت يزحف صافيا ملء العظام: لا بدّ للشاعر من قدْر من الكسل الضروريّ.

والكسل، هنا، ليس كسل الناس المعتاد بطبيعة الحال. وليس البطالةَ الذهنية، أو الخروجَ من دائرة الفعل، بل ذلك الكسل الضروري، الذي نغترفه من جرار الوقت بمقدار محسوب. المقدار الذي تحتاجه الروح كي تستمتع بتموّج زمنها الخاص، ويهفو إليه القلب ليغرق في لذة حرة يصغي فيها إلى نبضه وهو يتجدد، ويتشهاه الجسد ليظل مشدودا، دون إرهاق، إلى لحظة المبادرة، ولأن هذا الكسل ضروريٌّ فهو كسلٌ بالمعنى الجميل والمعافى للكلمة.

هكذا تماما، صار في مقدورك أن تزيح الستائر جميعا وفي آن معا لتطل، وكأنك للمرة الأولى، على مرعى مغسول يهبط فجأة من جنة بعيدة، ومحروسة بعناية. لك الآن أن تأخذ حصتك، كاملة منها بعد أن صارت على مرمى وردة منك؟ جملةٌ من الممكنات كانت هناك، وكنت على وشك الوقوع فيها لولا إيقاع العمل اليوميّ وشعائره القسرية أو المشتهاة. كنت على مقربة منها، لكن قربك لم يكن كافيا آنذاك بسبب تلك الشعائر اليومية. هل تذكر قصيدة “لك أن تهدأ الآن”؟ لقد كانت شحنة حارة من الفرح، وانفلاتا من قبضة الساحرات الجميلات، أو هي حاجة الطائر إلى ريشه الدافئ.

لك أن تجرّب الآن، يا صاحبي، لذة الإصغاء إلى بذرة تتأوّه في لحظة طلق نادرة. أن تحتسي قدح الشاي، على مهل، وأنت تتأمّل وجها قادما من أقاصي الروح، ولك أن تطيل بهجة السهر، في حوار لا يهدأ، مع قصيدة لا تلين، أو فكرة تحاول يائسا استدراجها إلى قفص أعددته بإحكام.

شاعر من العراق مقيم في الإمارات

14