عن العم أوسكار

هناك سحر خاص يرتبط بحفل الأوسكار، والسبب أنه يجمع كبار نجوم السينما الأميركية الأكبر والأكثر انتشارا في العالم، ولكن من الخطأ القول إنه مهرجان.
الأربعاء 2018/03/21
الأوسكار مسابقة محلية

عندما وقعت أنظار سكرتيرة الأكاديمية الأميركية لعلوم وفنون السينما للمرة الأولى على التمثال الصغير هتفت “إنه يشبه عمي أوسكار”!

منذ تلك اللحظة قبل ثمانين عاما، أصبح الأوسكار أشهر تتويج للأفلام السينمائية في العالم، وأصبحت مسابقة الأوسكار السنوية من أكبر الأحداث الفنية في العالم، ويعتقد الكثيرون أن “الأوسكار” أكبر مهرجانات السينما العالمية، في حين أنه مسابقة محلية أميركية نشأت أصلا لتشجيع صناعة السينما في هوليوود، ويصدق عليها القول: إنه عيد يعبر عن احتفال الصناعة بنفسها وتكرم فنانيها، يعني باختصار “زيتنا في دقيقنا”!

عندما كنت أعمل في القسم العربي من “بي بي سي”، سألتني موظفة إنكليزية ذات مرة “لماذا لا تذهب لتغطية مهرجان الأوسكار؟”، فقلت ببساطة “إن الأوسكار ليس مهرجانا، بل هو فقط حفل سنوي يقام في ليلة واحدة”، فعادت تغمض عينيها وتهمس وكأنها تحلم “ولكن سيكون شيئا جميلا أن تكون هناك وتنقل لنا ما يحدث في تلك الليلة.. إنها حقا ليلة، لكنها ليست ككل ليلة!”.

لم أفهم كيف يمكن أن يغطي الناقد السينمائي الذي يكون اهتمامه الأول عادة بالأفلام، حفلا مثل حفل مسابقة الأوسكار: هل يقف فوق البساط الأحمر الشهير لكي يوجه إلى مشاهير نجوم هوليوود ومخرجيها الأسئلة حول أفلامهم مثلا أم يكتفي بالحديث عن الفساتين التي ترتديها الممثلات، كما يفعل معظم من تتاح لهم فرصة الحضور هناك في تلك الليلة الموعودة؟ مع العلم أنه لا يسمح للصحافيين بدخول الحفل نفسه الذي يكون قاصرا على المدعوين من نخبة رجال الصناعة ومشاهير النجوم.

هناك سحر خاص يرتبط بحفل الأوسكار، والسبب أنه يجمع كبار نجوم السينما الأميركية الأكبر والأكثر انتشارا في العالم، ولكن من الخطأ القول إنه مهرجان، فهو لا يعرض أفلاما مختارة جديدة لم يسبق عرضها، كما تفعل المهرجانات الكبرى في العالم مثلا، بل يتم الاقتراع على ما عرض خلال العام السابق من أفلام ناطقة باللغة الإنكليزية أساسا، مع تخصيص جائزة لأحسن فيلم “أجنبي”، أي غير ناطق بالإنكليزية، على اعتبار أن كل من ينطق بلسان غير إنكليزي هو “أجنبي”، وهو تعبير عنصري أصلا، وقد أصبح من الأفضل أن يتم وصفه بـ”الفيلم غير الناطق بالإنكليزية”، لكنهم لا يفعلون.

ولا تقوم باختيار الأفلام التي تضمها القوائم القصيرة، ثم التوصل إلى النتائج النهائية للمسابقة، لجنة تحكيم من الخبراء والمتخصّصين في السينما، بل من خلال اقتراع سري يشارك فيه جميع أعضاء الأكاديمية من فروع العمل السينمائي المختلفة، كتاب السيناريو والمخرجون ومهندسو الديكور والمصورون.. إلخ، ويبلغ عدد هؤلاء نحو ستة آلاف عضو.

ولأن الأكاديمية تضم، كما أشرت، ممثلي النقابات السينمائية المختلفة، فمن الطبيعي أن تخصّص المسابقة جوائز تشمل جميع فروع العمل السينمائي بما في ذلك أدقها مثل مكساج الصوت ومونتاج الصوت والمؤثرات الخاصة، وكلها عناصر ليس من الممكن فصلها عن الفيلم ككيان كلي.

وهذا ما لا تفعله المهرجانات السينمائية التي تعرض خلال أيام عدة تصل إلى 12 يوما أو أكثر، عددا مختارا محدودا من الأفلام داخل المسابقة الرئيسية، وربما تخصّص مسابقتين أخريين للأفلام التسجيلية والقصيرة، وتمنح جوائز لأحسن فيلم وأحسن ممثل وممثلة وجائزة خاصة عن لجنة التحكيم، وربما جائزة أحسن إخراج أو سيناريو، وعادة ما تتاح للجمهور مشاهدة الأفلام.

أما في حالة الأوسكار فتكون الأفلام قد عرضت بالفعل متفرّقة خلال العام، لكن شركات الإنتاج التي تملك القدرة المالية ترسل نسخا منها على أسطوانات مدمجة إلى أعضاء الأكاديمية أو إلى عدد مختار منهم، أو تنظم لهم عروضا خاصة، وبالتالي يصبح التأثير الأكبر لصاحب الإمكانيات المادية الأكبر.

ورغم أن هذه المعلومات معروفة ومنشورة، ولكن لأننا نعيش في عصر الهيمنة الأميركية على العالم، وهيمنة الفيلم الأميركي تحديدا، لا يهتم أحد بهذه التفاصيل، طالما أن “العم أوسكار” يوفّر الحصول على مادة إعلامية مثيرة تجذب الجمهور.

16