عن العوالم الصامتة

أليس غريبا أن عالما يفاخر بأنه بات قرية صغيرة بفضل ثورة “المعلومات”، تزعم شعوبه المتحضرة أنها فقيرة بتلك “المعلومات” ذاتها؟
الجمعة 2019/02/22
كوكب سعيد أم تعيس؟

اعتاد هابي جيري أن يجلس على كرسيه طيلة الوقت أمام مبنى بورصة لندن. كان محبوبا جدا، وكان يدخّن الغليون. حتى أن القصر الملكي دعاه مرة لتناول الشاي مع الملك. لكنه كان صامتا لا ينطق ببنت شفة.

لماذا الصمت؟

مئات التجارب الكبرى تتكرر اليوم لترينا أن الكوكب السعيد في نصف الكرة الشمالي يكاد لا يعرف شيئا عن الكوكب البائس في نصف الكرة الجنوبي. في العراق وسوريا قالوا إنهم لم يكونوا على دراية كافية بطبيعة الشعب وأن عليهم فحص جينات كل إنسان فيهما كي يتأكدوا من كونه إرهابيا أم لا. وفي الصومال رأوا أن الجميع قراصنة وباعة قات. أما في اليمن وليبيا فما زالوا في برهة الدهشة ولم يحسموا أمرهم بعد.

أليس غريبا أن عالما يفاخر بأنه بات قرية صغيرة بفضل ثورة “المعلومات”، تزعم شعوبه المتحضرة أنها فقيرة بتلك “المعلومات” ذاتها؟

وكان صعبا أن يعثر المتتبع لمسار أخلاق العالم، على منتجات فكرية تبرّر تلك التناقضات، أو حتى تحاول التغطية عليها. ففجاجاتها تبدو أكثر سطوة من أن تسترها الكلمات.

في كتاب روبرت جاكسون “ميثاق العولمة” نجد مصطلحا حسّاسا مثل “المجتمع الدولي”، وإلى جواره يتحدث جاكسون عن “الحرية الدولية” التي تقابل مسؤوليات ذلك المجتمع. فيقول عنها إنها “الحرية السلبية للجماعات الإقليمية، إنها عقيدة بدأت رحلتها التاريخية إلى زوايا العالم الأربع من القرن السابع عشر، غير أنها لم تكمل هذه المرحلة إلا في النصف الثاني من القرن العشرين”.

أما سكان كوكب الجنوب فما زالوا في طور عقلي يدعى طور “التماس المشاعر” وفيه لا يحاول الكائن تقديم الحجج العقلية في خطابه، بل استجداء عواطف الكائنات الأخرى. وبالتالي لا يبرهن على موضوعه، بل على ضعفه. ومن ذا الذي سيرغب في مصافحة الضعفاء.

صيف العام 1698 وقف إدوارد تايسون عالم التشريح الشهير أمام الجمعية الملكية البريطانية متحدثا عن نتائج أبحاثه على الحبال الصوتية لدى القرود. قال إنها “تشبه تماما تلك التي توجد عند الإنسان. فلماذا لا تتحدث القردة إذن؟ إن الشمبانزي يدرك أنه إذا سمح للبشر بأن يستمعوا إليه وهو يتحدث فسوف يستعبدونه، كما فعلوا بالإنسان الأسود. لقد رأى ذلك بنفسه في أفريقيا”.

بعد أكثر من مئة عام على كلمات تايسون تلك. شاهد البريطانيون هابي جيري الذي لم يكن سوى قرد مندريل عجوز وحكيم لا يزال جسده محفوظا في متحف التاريخ الطبيعي. بعد أن وصل إلى لندن على متن سفينة عبيد في العام 1815، لكنه اكتشف سرّ اللعبة. ففضل الصمت.

24