عن الغموض الواضح

الاثنين 2017/09/11

إذا كان الغموض الشفيف كالماس من جماليات القصيدة، فإن الإبهام فيها أمر شديد الإيذاء. لا بد من موازنة محسوبة إذاً، فالمبالغة في الغموض كالمبالغة في المباشرة، كلتاهما تدفعان بالنص بعيداً عن المتلقي الذي يحترم وعيه ومخيلته. الأولى تجعل عملية التلقي شائكة وعسيرة، وتحجب عن المتلقي ما في القصيدة من تجليات جمالية ودلالية وإيقاعية.أما الثانية فتهبط بالنص من شعريته العالية إلى مباشرة نثرية، لا يعود معها النص شكلاً جمالياً يستمد الكثير من قيمه الدلالية والفنية، أي لا يستمدها من كونه شعراً قبل أي شىء آخر.

حتى النقاد القدامى كانوا يحتفون بهذا الغموض المُخصِب للنصّ. ولا أنسى عبارة الجرجاني في هذا الصدد. كان يرى أن “من المركوز في الطبع” أن النفس لا تتعلق بالمعنى السهل والمتاح لكل عابر، بل بالمعنى الذي لا يأتي إلاّ بعد تمنع ومكابدة. والمكابدة التي أعنيها هنا هي معاودة القراءة. فمع كل قراءة جديدة له تسقط طبقة من طبقات الغموض، وتخفّ قشرته وتشفّ حتى يبدو صافياً ومشعّاً كالماس كما قلت في البداية.

ولا أقصد بذلك أن على القصيدة أن تكون دائماً كتلة من الغموض المتراصّ، أو غابة متشابكة من أحـراش اللغة. لا بد من ومضة محسوبة بدقة مرهفة، لا بد من رفيف من الشرر الخافت، الذي يشرح دون ابتذال ويكشف دون مباشرة فاضحة. بل لا بد من التوازن الحيّ بين الغموض ونقيضه، فالشعر الجيد، على رأي الناقد الروسي لوتمن، هو اجتماع المتوقع واللامتوقع في وقت واحد.

وبين هذين الحدين تتفجر طاقة النصّ وتتموج شعريته. أما إذا اطمأن النصّ إلى واحدٍ منهما فإن مصيره عدمان مؤكدان، انعدامُ المعنى في الحالة الأولى، وفقدانُ القيمة الفنية في الحالة الثانية.

شديدةٌ، إذاً، حاجةُ القصيدة إلى جدلٍ بالغ الخفاء والجاذبية بين هذين الحدين، أو هاتين اللحظتين، الشعريّة والإنسانيّة. فالنصّ لا ينصرف إلى الواقع كليةً ولا إلى المخيلة بشكل مطلق، بل هو معلقٌ بين الشفافية والكثافة.

في قصيدة بدر شاكر السياب الشهيرة “غريب على الخليج” مثلاً، نرى الشاعر وهو يستدرج ماضيه، في نبرةٍ يشتبك فيها الحنين المــوجع والإحساس بالفاقـة، وتتــدافع إلينا لحظتان تصنعان حركة القصيدة: لحظة الانفعال بالحياة ولحظة الشعر. تتدفق صورٌ وتداعياتٌ، عبر احتدامٍ سرديّ مؤثر، طوال القصيدة. ومنذ مقطعها الأول، تتفجر القصيدة بهذا التلهف الطاغي:

صوتٌ تفجّـرَ في قرارة نفسيَ الثكلى: عراقْ

كالمدّ يصعـدُ، كالسحابةِ، كالدموعِ إلى العيونْ

الريحُ تصرخُ بي: عراقْ

والموجُ يعـولُ بي: عراق، عراقُ، ليس سوى عراقْ

البحـرُ أوسعُ ما يكون وأنت أبعـد ما تكونْ

والبحر دونك يا عراقْ.

فيضٌ من الحنين الكاسح، يصعد به التكرارُ وتوالي الأفعال وهذه الغزارة اللافتة في حروف المدّ إلى ذرى تعبيريةٍ ملتاعة. الشاعر، هنا، فريسة ملقاة في العراء، لحظة حياتية بالغة الضيق كان من الممكن أن تقود النصّ إلى الصراخ والمباشرة والتسطيح، غير أن القصيدة تتمدد وتتصاعد، من خلال السرد، والأغنية، والعادات، والإيماءات التراثية، وذكريات الحب، حتى تصل إلى ذروة توترها الوجدانيّ واللغويّ في هذا المقطع النادر:

الشمسُ أجملُ في بلادي من سواها، والظلامْ

-حتى الظلامُ- هناك أجملُ، فهو يحتضن العراقْ..

ومن الدقة القول إن هذه القصيدة تحفل بالكثير من المناطق النثرية التي تتواضع فيها لغة بدر شاكر السياب، وتهبط كفاءته التخيلية فيها إلى أدنى مستوياتها، غير أن السياب، ذلك الشاعر المتمرس، يقيم حواراً فياضاً بالمشاعر والدلالات بين الكثافة الشعرية من جهة وانفتاح النثر من ناحية ثانية. وبذلك يضمن لهذه القصيدة توترها وتموج حركتها اللغوية والدلالية والإيقاعية.

شاعر عراقي

14